محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٩ - الخطبة الأولى
بعد هذا كلّه، أيجوز أن تدّعي لنفسك الحريّة المطلقة، أو أن تُساوي نفسك بالحيوان، أو أن تُلغي من حسابك الغيب، وهيمنة الله سبحانه، وأمر الآخرة؟ أيحقّ لك في عقل أو وجدان أن تتمرّد وتطغى، وتَنصب نفسك إلهًا في الناس لا تأخذ من الله أمرًا، ولا نهيًا، وتفرض على النّاس أمرك ونهيك؟
أمِنْ قضاء مصلحة ذاتك أن تُلهي النفسَ وتُنسيَها، وتَشرُد بها عن أسئلة داخلك: أسئلة الغيب، والآخرة، وعن موازين الفطرة وأصولها وهداياتها مما يضعك على طريق الحقّ علمًا وعملًا، وأن تبقى غارقًا في شهوات الحياة؟
أليس من حقّ ذاتك عليك أن تستجيب لنداءاتها المنبعثة من فطرتها بالاستقامة على صراط ربّك تعبده لا تعبد الهوى، وتذُلُّ له لا لمن سواه، وترتفع وتكمل بطاعته وعبادته، وتعِزّ وتمتنع بقوّته، وتستريح وتطمئن في ظلّ الشعور برضاه ورحمته؟!
أليس من البَخْس لقيمة ذاتك أن تتنكّر لنداءات فطرتها، لما تُنادي به كينونتُها، لما تُلِّحُّ به عليك أسئلتُها، لما ترتبط به من هدف، وما تنشدّ إليه من غاية، وما تتطلّع إليه من مقصد؟!
أليس هضمًا لنفسك أن تنزل بها من أُفقها الإنسانيّ الرّفيع، وكرامة إنسانيتها العالية إلى وضاعة التراب ومهانة الطين؟! أكرَمَكَ الله بإخراجك من كونك ترابًا، وأشياءَ تعود إلى التراب إلى كونك إنسانًا تُهيّؤك مواهب الله وعطاياه إلى أن تكون في أعلى علّيين، وتُصرُّ أنت أن تبقى عند التراب، وفي مستواه، وأن لا تفارقه، وأن تعيش من أجله، وتسحق كلّ كرامة لك في الذوبان فيه؟!
أهناك حكم قاس على ذاتك أقسى من هذا الحكم، شدّةٌ أكبر من هذه الشدّة، فتكٌ بها أعظمُ من هذا الفتك، استخفافٌ ... استهزاءٌ ... سخريّةٌ بها أكثر من هذا!