محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٨ - الخطبة الأولى
اغتنى هذا المخلوق بالشّعور، وكان هادفًا، وزخّارًا بالطّموح، ومليئًا بالإرادة، وتوّاقًا للعلم، ومتدرّجًا في المعرفة ولم يكن من قبل على شيء من ذلك كلّه؟!
من الذي أوجدك أيّها الإنسان لا تعيش إلَّا بشروط، ولابد أن تخضع في حياتك إلى قوانين ليس منها شيء من صُنعك، وقضى عليك أن تبقى على الأرض إلى أجلٍ لا تتعدّاه ثم ترحل؟ ومن الذي هيّأ لك كلّ أسباب الحياة إلى المدّة المكتوبة والأجل المحدود؟ ومن الذي جعلك لا تملك أن تنفصل بكلّ عقلك، وبكلّ وجدانك، وتعيش كلّ حياتك بعد درجة من التمييز حالة من الانفصال العقلي والنفسي عن الغيب ٢، وإشاراته وخطابه وأنواره، وأسئلته وهداه؟ ٣
من الذي جعل في نفسك ميزانًا عامًّا للسلوك، وفي صدرك تفريقًا بين ما هو حقّ وباطل، وما هو خير وشرّ، وما ينبغي أن يُفعل وما لا ينبغي أن يُفعل، ثم جاء خطاب الرّسل لا يشذّ قيد شعرة عن ذلك الميزان، وخطاب الفطرة؟
من الذي جعلك لا تخرج من هذه الحياة بعد مغادرتك الطفولة، وفترة الغفلة من غير أن يحضرك حسُّ الآخرة، والسؤال عن مصير ما بعد هذه الحياة؟
من الذي جعلك لا يقف بك النظر عند نقطة معيّنة من زمن ولا مكان، ولا عند نهاية من نهايات الأعمار، ولا عند قِمّة من قِمم الكمال، ولا عند علّة من العلل المحتاجة في نفسها للوجود، وللحياة، وللعلم، وللإرادة، والهادفية والتصميم؟
ألست المخلوقَ الذي يفترق عن الحيوان فيما يغنى به من عقل ليس له فيه صُنع، وشعورِ لم يأتِه على يده ٤، ونورِ غيبي لم يُنشئه لنفسه، واستهدافٍ واعٍ ليس من هِبته، وإحساسٍ بالمسؤولية لم يكن بقراره؟ ولماذا هذه الفوارق الجذريّة بيننا وبين الحيوان، وماذا يترتب عليها حاضرًا وفي المستقبل؟