محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٩ - الخطبة الأولى
وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧.
الإنسان جهله سابق، وما له من علم لاحق. يولد جاهلًا فعلًا، وقد جعل الله عزّ وجلّ له منافذ على العلم، وفتح له طريقًا إليه بقدر ما يمكن أن يصل إليه منه سمعُه وبصرُه وعقلُه، ويبقى بعد السعي والطلب والكدّ والتحصيل جهلُه أكثر من علمه.
وقد يدخل ما يراه الإنسانُ من علمه جهلٌ كثير فيكون علمه جهلًا وهو أسوأ الجهل لأنّه يُغري صاحبه بإقامة حياته على الوهم الكاذب الذي لا يُنتج إلَّا البوار ٨.
وفي جهل الإنسان يقول الكتاب الكريم كذلك: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ٩.
وعن تفسير الثعلبي عن صالح بن مسمار:" بلغني أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله تلا هذه الآية يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ١٠ قال جهله" ١١.
والجهلُ منه ما هو فَقْدٌ للعلم، وخُلوٌّ منه بأيّ أمر من الأمور، ومنه ما هو مخالفة للعلم سَفَهًا وطَيشًا، وهو خلاف الحكمة فإنّ الحكمةَ أن نأخذ بالعلم، ونبني موقفنا عليه.
وكأنّ المعنيّ في الحديث هو الجهالة بالمعنى المخالف للحكمة.
وفي الإنسان جهلٌ بمعنييه، وهو ضعفٌ من ضعفه، ونقصٌ من نواقصه.
٣. الإنسان والعجلة:
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ١٢.
وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ١٣.
لكأنّ الإنسان من فَرْط عجلته ليس مخلوقًا إلَّا من عجل، ولكأنّه ليس في خلقه ما يجعله يتفكّر في الأمور ويتدبّر. وانسياقًا وراء تعجُّله تراه كما يطلب الخير ويسعى إليه