محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٨ - الخطبة الأولى
ويبدأ يكتسب القوّةَ عن طريق التربية والمكابدة والمجاهدة شيئًا فشيئًا حتى بلوغ الأشُدّ ودرجة النُّضْج في أبعاد ذاته المختلفة ليبدأ من بعد حين رحلةَ الانحدار في مستوى فِعليّاته المكتسبة حتّى يكونَ كَلًّا على مَنْ سواه من النّاس، ومَحَلًّا لشفقة الآخرين.
وهو في أشُدِّه ونُضْجه لا يمكن له أن يكون الذّات القويّة على الإطلاق. وهذا واضح لكلّ نفس من نفسها ولا تردُّد لها فيه.
الإنسان خُلِقَ ضعفيًا، ومن ضعفه البيِّن شهواته الماديَّة التي تُغالبُ عقله، وكثيرًا ما تصرعه، وتُنسيه قيمة ذاته، وموضع مصلحته، وتُحطّم صحّته، وتلهيه عن مصيره، وتعمي بصيرته، وتشلّ تفكيره، وتوقعه في كوارث فادحة، ولا تُبقي له سعادة دنيا ولا آخرة ٢.
وهذه الشهوات تبقى معه في كلّ حياته، وإذا خفّ ضغطُ صنفٍ منها لِتَقَدُّمٍ في سنٍّ أو مرض ربما اشتدّ ضغط صنف آخر ٣.
ومن ضعف الإنسان غروره، وأن يملكه توهُّمُ العظمة، ويتجاوزَ به كِبْرُه كلّ حدّ معقول، وقدْر ممكن.
يقول الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:" لو لا ثلاث في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض، والفقر، والموت، كلُّهم فيه وإنّه معهن لوثَّاب" ٤.
وهذا الغرور ضعف لأنّه يؤدّي إلى متاعب جمّة، ويقود إلى السّقوط في إنسانية الإنسان، ويتسبّب لصاحبه في المهالك.
والتشريع الإلهي يراعي في الإنسان هذا الضعف ويُقدِّر فيه اقتضاءَه التخفيف عنه في التكليف، فيُخفِّف عنه فعلًا إذا لم يخلق المانعَ من الرّحمة به ٥.
يقول الكتاب الكريم: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ٦.
٢. الجهل: