محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٧ - الخطبة الأولى
خلق الله الإنسان وجعل له من القابليات والاستعدادات ما تبلُغُ به لو اهتدى بمنهج ربّه لتربيته، واستقامَ عليه، فأحسَنَ تفعيل قابليَّاته واستعداداته مبلغًا من الكمال لا تنقصه معه السعادة، ويجعله في منأىً بعيدٍ عن الشقاء.
ولكنّه مع قابليَّاته الضخمة، واستعداداته الثرّة المعطاءة عند التفعيل عن طريق الإرادة والجُهْد والترويض والتربية في ضوء المنهج الإلاهي الموحَى به لصنع الإنسان، يُعاني بالفعل من نقاط ضعف ونواقص، وله خصائص نابعة من ضعفه وإمكانه لا يخرج منها إلّا بالمجاهدة والتربية، والأخذ بمنهج الله الذي يأخذ بالإنسان في المسار الذي يصنع القوّة، ويُخرج من الظلمات إلى النور.
وهذا من خصائصه:
١. الإنسان بين الضعف والقوّة:
الإنسانُ ممكنٌ يعتمد في كلّ ما عنده على عطاء ربّه، ولا يمكن له أن يستفيد من الفيض الإلاهي الواسع إلّا بِقَدَرِه بما هو إنسان، وليس بما هو موجودٌ أكبرُ منه، ولا يمكن له أن يخرج من إمكانه، ولا أن يُغيّر من موقعه، أو يزيدَ من سَعَةِ ما عليه واقعُ قابليّاته واستعداداته.
فيبقى الموجودَ المحدودَ، ويبقى بِحَسَبِ طبيعته مع قوّته، وبلحاظ ذاته يُعاني من ضعف.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ١.
سواءٌ ابْتَدَأَ النظر إلى الإنسان من مرحلة النطفة، أو مرحلة الطفولة الأولى فأمر ضعفه العام واضح.