محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤ - الخطبة الثانية
وحياة عليّ عليه السلام، وسيرته الطاهرة كلُّها شاهدة بذلك.
٢. والصعوبة في حياة الإمام السّياسية أن أمره في ذلك وأمرَ من وَلِيَهم ليس واحداً. كان يريدهم لله، وأكثرهم يريدونه لأنفسهم؛ لهواهم، لقصورهم، لتقصيرهم، لماديّتهم الهابطة، لمصالحهم الضيّقة، لعصبياتهم المتشنّجة، لمطامعهم السلطوية الجاهلية، لمبتغياتهم وحساباتهم، ونظراتهم الدنيوية، والفئوية، والقبليّة المحدودة ١٤.
ولابد أن تتصادم الإرادتان:
الإرادة التابعة لإرادة الله المنزَّهةِ عن الجهل، والظلم، والضلال، والخطأ، وكل نقص.
والإرادة المنشدَّة للأرض بهواها، وجهلها، وسفهها، ووضاعتها، ومحدودياتها، وتأثيراتها المضرّة بالعقل والحكمة والدين، ومقتضيات المصلحة الحقيقية في مداها الخاصّ والعام معاً.
ما أعظم الفرق بين علي عليه السلام ومن عناهم بكلمته!!
فرقٌ لا يمكن أن نقترب من صورته بتصوّر بُعْدِ ما بين السماء والأرض ١٥. يريدهم لله، وفي ذلك أقصى درجات الرفعة والسعادة الدنيوية والأخروية التي يمكن أن يصل إليها إنسان، ولا يُخطئ الطريق إلى تلك الغاية. ويريدونه لأنفسهم حين تخفى عليهم مصلحة أنفسهم، ولا يهتدون الطريق إليها.
كان على عليّ عليه السلام أن يتنازل عن عقله القويم، قلبه السليم، فطرته النقيّة، عن معرفته بربّه، خشيته منه، توحيده، حبّه، عشقه له حتّى يلتقي برغبة محكوميه بدل أن يستنيروا بمعرفة علي عليه السلام بهداه، ويحاولوا الصبر جاهدين على طريقه فيرتفع بهم إلى ما شاء الله، ويبنيهم أمّة قويَّة صلبة مهتدية هادية؛ تعيش القسط في حياتها، وتقيم القسطَ في الأرض كل الأرض وعالم الإنسان.
وإذا كان علي عليه السلام قد استطاع أن يدفع بوجود الأمَّة ما كان منه قابلًا لمستويات متقدِّمة، ولم يستطع أن يأخذ بكلِّ الأمة لانشدادها للأرض إلى الأفق الذي يريد، ويسلك