محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٦ - الخطبة الأولى
أمّا درجة الإيمان فتجعل من صاحبها شخصاً مأموناً تطمئنُّ إليه القلوب، وتسكن النفوس ولا يُصيب منه أخاه المؤمن، وجارَه توجُّس، ولا يُتوقّع أيُّ شر من جهته. يأمن أخوه بوائقه، وهي غوائله وشروره، ويطمئن أن لا تأتيه من جهته داهية، ولا يسمح هديه وتقواه وجمال سريرته بأن يتوقع منه جاره بادرة حدّة فيها أذى من قول أو فعل.
وعن الإمام عليّ عليه السلام:" كيف تكون مسلماً ولا يسلم النّاس منك؟! وكيف تكون مؤمناً ولا تأمنك النّاس؟! وكيف تكون متقياً والنّاس يتقون أذاك؟!" ٢.
فلا اجتماع في فهم أمير المؤمنين عليه السلام للإسلام وبين أذى الناس من المدّعي أنه مسلم، ولا بين الإيمان وبين ألّا يفرض إيمانُ المرء الثِّقةَ به في قلوب عارفيه من الناس حتى يأمنوا جانبه، ويطمئنّوا إلى أنه مصدر خير لا شر، وأنه بعيد عن الإيذاء والإضرار.
وأين التقوى في نظره عليه السلام من شخص يحذر النّاس أذاه، ولم تورث سريرته في معاشريه الطمأنينة إليه، والأمن من شرّه؟!
وأين شر النّاس من الإسلم الصادق الجامع لكل خير، البريء من كل شر؟!" وشرّ الناس من تأذّى به النّاس" ٣ كما في الكلمة عن الصادق الأمين صلَّى الله عليه وآله.
صناعة الإسلام عقولٌ واعية، وقلوبٌ طاهرة، وسرائر صالحة، ونوايا كريمة، وأفعال نافعة، وسلوك حميد، وعلانية حسنة تُشتاق، وتَجتذِب.
يقول الحديث عنه صلَّى الله عليه وآله:" طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل عن النّاس شرَّه" ٤ فلا شرّ يصدر منه ليصل للناس منه شيء من شر.
المسلم ليس مصدر أذى وسوء، وموقفه من قضية الخير والشر ليس موقف اللامبالاة، ولا تجده متفرجاً على مأساة الناس.
المسلم يأخذ بقول الإمام عليّ عليه السلام:" أُبذُل معروفك وكف أذاك" ٥.
وعن الإمام زين العابدين لولده الباقر عليهما السلام:" كُفَّ الأذى، وفُضّ الندى" ٦.