محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٥ - الخطبة الأولى
قاتلة جعلتها تجد لذّتها في أذى الآخرين. لا يصدر إلا من نفس لا تحترم إنسانيتها لتحترم من يشاركها في الإنسانية، ولا تحسُّ بجمال علم ولا تقوى، ولا تُقدّر لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الإحسان إحسانهم ليكون في ذلك حاجز لها عن أذاهم، والنيل من راحتهم، وكرامتهم، والتعرُّض لهم بالإهانة.
ما أبعد ما بين نفسٍ لا تجد راحتها إلّا في إيذاء النّاس وإضرارهم، وفي آلامهم ومتاعبهم، وما يُحطّم حياة الآخرين ويشقيها، ونفس لا تأنس وهي في كامل رَغَدِها، وفي الظروف الناعمة التي تتمتّع بها ما دام آخر يشقى في حياته، ويُعاني من سوء الحال، ولا تسعد إلّا بأن تسعى جاهدة للتخفيف من متاعب الآخرين وآلامهم، وإنقاذهم مما هم فيه من سوء. ولقد قالوا (كل إناء بالذي فيه ينضح).
ونفسٍ بناها الإسلام وتربّت على هُداه، ووعيه، وأخلاقه، وانفتاحه، وتقواه أبعد ما تكون من شهوة الإيذاء للآخرين ومقاربتها، وأن يكون ملؤها الحقد، والحسد، والضغينة، والبغضاء من غير حقّ، والعدوانيّة، وروح الفتك براحة النّاس وإقلاق حياتهم.
انظر المسافة الشاسعة التي يقرّرها الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بين نفس تستسيغ أذى الناس، و تُقدِمُ عليه، وبين ما هو الإسلام الحقّ في فهمه الصحيح، والسلام الذي يدعو إليه، والخير الذي يستهدف أن يعمَّ كلّ الحياة.
عنه صلَّى الله عليه وآله:" أيّها النّاس؛ إنَّ العبد لا يُكتب من المسلمين حتى يسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه، وجاره بوادره، ولا يُعدّ من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حِذاراً عما به البأس" ١.
الإسلام لا يطلق يداً، ولا لساناً، ولا يسمح بنظرة فيها أذى إنسان من غير حق، وخارج ميزان العدل.