بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٠ - الكلام في حجّيّة الإجماع
يقتضي أن نسمّيه (باللّطف)، فكأنّ هناك مراتب من اللّطف يدرك العقل العمليّ وجوبها على الله تعالى.
و يُستدلّ بهذا القانون بعد ضمّ الأصل الثاني، و هو العدل، من أصول الدين، إذا اعتبرنا الأصل الأوّل مشتملًا على إثبات الصانع و وحدانيّته، إذن، فبعد العدل يلتزم بأنّ تمام مقرّرات العقل العمليّ التي تشتمل عليها قاعدة اللّطف، لا بدّ و أن تكون صادرة من الله تعالى؛ لأنّه عادل، و لو لم يتلطّف بذلك، لما اتّصف بذلك.
و هذه القاعدة هي التي استدلّ بها جملة من علماء المتكلّمين على ضرورة إنزال الشرائع و إرسال الأنبياء بها (عليهم السّلام) بدعوى: أنّ الله تعالى من اللّطف الواجب عليه أن يفتح للناس أبواب الهداية من قبله، و يقيم الحجّة على طريق السعادة و الشقاء.
و هذه القاعدة التي استُدلّ بها لإثبات النبوّة العامّة، حاول بعضهم تطبيقها في المقام و جعلها مناطاً لاستفادة حجّيّة الإجماع، بدعوى: أنّه من اللّطف الواجب على الله تعالى أن لا يسمح بضياع الحقّ بين الناس، فلا بدّ من منارة ليعرف بها الناس ما يوجد لديها من أخطاء و ضلالات، فلا بدّ أن يتلطّف عليهم بإبراز الحقيقة و لو ضمناً.
وعليه: فإذا فرضنا أنّ الناس اتّفقوا و أجمعوا على حكم ما، فلا بدّ من إحدى حالتين:
فإمّا أن يكون هذا الحكم صحيحاً، و هو المطلوب، و إلّا، إذا لم يكن صحيحاً، فلا بدّ لله تعالى- بمقتضى قاعدة اللّطف- أن يتدخّل لإيجاد قول بالحكم الصحيح، لكي لا يضيع على العباد مصالح تلك الأحكام المجمع عليها، إذن، فكلّما وجد إجماع خالٍ من التشويش، نستكشف أنّ معقد الإجماع مطابق للواقع، هذه هي الفكرة العامّة لأصل حجّيّة الإجماع.