بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٥ - الكلام في حجّيّة الإجماع
أمّا الثاني من هذين الشقّين فغريب في نفسه كبرويّاً، فإنّ ميزان ترقّب اللّطف منه تعالى هو العبوديّة و الحاجة إلى هذا اللّطف، و هذه الحاجة في الجميع على حدٍّ واحد، فكيف يختصّ ببعضهم؟ إذ لا يكفي إشباع حاجة البعض في سدّ حاجة غيرهم.
و أمّا الأوّل بأن يفترض أنّ طريق الحقيقة مفتوح للجميع، بحيث يمكن لكلّ فقيه أن يصل إلى الحقيقة، غاية الأمر: أنّه يحتاج إلى بذل جهد أكثر من اللّازم في مقام الاستنباط فيما إذا كان في مقام الاكتفاء بإجراء الأصول و القواعد العامّة، فدعوى الجزم ببطلان هذه الدعوى حينئذٍ لا يكون مجازفة، فإنّنا في كثير من الموارد نقطع بعدم تغيّر النتيجة التي كانت مقتضى الأصل أو القاعدة، و مهما بذلنا من وسع و جهد.
الوجه الثالث: هو أنّه لو تنزّلنا عن كون اللّطف مراداً بلحاظ بعض الأفراد، حينئذٍ نقول: إنّ هذا اللّطف على تقدير وجوبه إنّما يجب فيما إذا لم يتعدّ بعض الأفراد في مقام المشوبة دون وصول الحكم إليهم، أي: إذا لم يكن المولى قد نصّب حجّة لإيصال الحكم إلى العباد، إلّا أنّ بعضهم منع من ذلك، و إلّا، ففي ذلك لا يوجد مثل هذا الحكم من قبل العقل، فالعقل يحكم أنّ المولى من قبل نفسه لا بدّ و أن يكون له طريق مفتوح، لكن لو تصدّى بعض العباد لغلقه، فالعقل لا يحكم بأنّ المولى يجب أن يتصدّى لفتحه، بل يحكم بوجوب سلوك الشارع الطرق المتعارفة، و هذا قد سلكه المولى سبحانه، إذن، الاستدلال بقاعدة اللّطف في المقام غير تامّ، وعليه: فالمسلك الأوّل غير تامّ.
و الخلاصة هي: أنّه لو تنزّلنا و سلّمنا كفاية اللّطف المردّد بين بعض المجمعين لإشباع العبوديّة و الحاجة في إنجاز المهمّة العقليّة المستحقّة