بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩ - الجواب الثاني هو أن يُقال إنّ الأحكام الظاهريّة مع الأحكام الواقعيّة، التنافي بينها يُتَصَوَّر له أحد ثلاثة عوالم
و في هذا العالم، لا تنافي بين التكليف الواقعيّ و الظاهريّ؛ لأنّ التكليف الواقعيّ غير واصل، و معه: ليس له جري على طبقه، بل الواصل هو التكليف الظاهريّ، إذن، فما له جري عمليّ و اقتضاء إنّما هو التكليف الظاهريّ، لا الواقعيّ.
العالم الثالث: عالم المبادئ، و في هذا العالم نقول: إنّه لا تضادّ؛ لأنّ التضادّ مبنيّ على أن يكون الحكم الواقعيّ و الظاهريّ كلاهما ناشئاً من ملاكٍ في متعلّقه؛ لأنّه حينئذٍ يلزم أن يكون هذا المتعلّق الواحد فيه مصلحة ملزمة؛ لأنّه واجب واقعاً، و فيه مفسدة ملزمة؛ لأنّه حرام ظاهراً، و هذا مستحيل.
لكن نحن نقول: إنّ الأحكام الواقعيّة ناشئة من مبادئ في المتعلّق، و أمّا الأحكام الظاهريّة، فناشئة من مصلحةٍ في نفس جعلها، من دون أن يكون في المتعلّق مصلحة أصلًا، و حينئذٍ: لا يبقى تضادّ؛ لأنّ المفسدة في المتعلّق، و المصلحة في جعل الحكم الظاهريّ، إذن، فلم يجتمعا في موضوع واحد ليلزم اجتماع الضدّين.
و حاصل تحقيق حال هذا الجواب هو: أنّه لا يرجع إلى محصّل، و ذلك لأنّ فرض نشوء الحكم من مصلحةٍ في نفس جعله، هو فرض لأمر غير معقول.
و توضيحه: هو أنّه هنا يوجد ثلاثة فروض.
الفرض الأوّل: هو أن يكون الحكم ناشئاً من مصلحة أو مفسدة في المتعلّق بعنوانه الأوّليّ، و مقصودنا بالعنوان الأوّليّ هو أيّ عنوان منطبق على المتعلّق بقطع النظر عن تعلّق الحكم به، كردّ السلام بما هو ردّ سلام، فهذا فيه مصلحة ملزمة، و وجوب ردّ السلام نشأ من هذه المصلحة الملزمة، و هذا هو المتعارف في الأحكام.