بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢ - أمّا الأمر الأوّل و هو أنّ الظنّ ليس واجب الحجّيّة،
و إطاعته ما لم يُحرز المكلّف صدور إذنٍ من المولى بالترخيص فيه، و لهذا أنكرنا البراءة العقليّة، و قلنا: إنّ منشأ توهّم القوم هو مقايسة المولى الحقيقيّ على الموالي العرفيّة، حيث إنّه لا إشكال أنّ المولى العرفيّ لا يَحسن به أن يعاقب في موارد الشكّ و الظنّ، و ذلك لأنّ مولويّته مجعولة من قِبَل جاعل، سواء كان هذا الجاعل هو الشارع أو العقلاء؛ إذ إنّ العقلاء حينما يجعلون المولويّة لأحدٍ، إنّما يجعلونها في حدود ما يقطع به من التكاليف، و من هنا، كانت مولويّة المولى العرفيّ مولويّةً ضيّقةً تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ العقاب منهم من غير بيان قبيح؛ لأنّ مرجعها إلى قبح العقاب بلا مولويّة، و ليس المولى العرفيّ مولىً في التكاليف المشكوكة و المظنونة، إذن، فارتكازيّة هذا المطلب العقلائيّ في المولويّات العرفيّة هو الذي أوجب سراية هذا الضيق إلى المولويّة الحقيقيّة الذاتيّة غير المجعولة، بينما مولويّة الشارع مولويّة حقيقيّة ذاتيّة، لا تقبل التضييق و التوسعة، بل له حقّ الطاعة مطلقاً، و في كلّ ما نحتمل أنّه يريده منّا، ما لم يأذن هو لنا في عدم الاحتياط فيه، و رَفَع يده عنه، و من هنا، قلنا سابقاً: إنّ المعوّل عليه في رفع اليد عن الاحتياط هو البراءة الشرعيّة لا العقليّة، و على أساس هذا الموقف: يتوضّح أنّ منجّزيّة الظنّ ذاتيّة في الجهة الأُولى، كالقطع، بمعنى: أنّها ثابتة له أيضاً كما هي في العلم؛ لأنّ دائرة مولويّة المولى واسعة تشمل التكاليف المظنونة و المحتملة.
نعم، منجّزيّة الظنّ تختلف عن منجّزيّة القطع في أمرٍ أشرنا إليه، و هو أنّ الشارع يمكنه أن يرخّص في مخالفة التكليف المظنون ترخيصاً ظاهريّاً، بينما بالنسبة للقطع لا يمكنه ذلك، كما عرفت سابقاً، و سوف يأتي تفصيل النكتة في ذلك في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة.
نعم، نحن انقلبت عندنا قاعدة منجّزيّة الظنّ باعتبار البراءة