بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٨ - الوجه الثاني ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
و الحاصل: هو أنّه لو افترضنا أنّ الآية تدلّ على النهي عن اتّباع دلالة غير صريحة، و تعاملنا مع هذا النهي عن المتشابه كقضيّة حقيقيّة تنحلّ إلى ما لا نهاية من قضايا، حينئذٍ: يكون مدلول كلّ قضيّة منها عدم حجّيّة القضيّة السابقة عليها، و حينئذٍ: يكون مدلول كلّ قضيّة منها عدم حجّيّة القضيّة السابقة عليها، و حينئذٍ: يلزم من حجّيّة كلّ منهما التعبّد بمفادها الذي هو عدم حجّيّة التي قبلها، لا عدم حجّيّة نفسها.
نعم، لو افترضنا القطع بعدم الفرق بين عدم حجّيّة القضيّة التي قبلها و عدم حجّيّة نفسها، فقد يتوهّم أنّه يلزم محذور استلزام وجود الشيء لعدم نفسه.
إلّا أنّ الصحيح هو عدم الاستلزام أيضاً؛ لأنّ ما يلزم من حجّيّة هذه الدلالة إنّما هو التعبّد بمفادها، لا ثبوت مفادها حقيقة؛ لأنّ الحجّة قد تخطئ، و هذا معناه: أنّ لازم حجّيّتها هو ثبوت عدم حجّيّة الدلالة التي قبلها، و بالملازمة عدم حجّيّة نفسها تعبّداً، لا حقيقة، إذن، فلم يلزم من حجّيّتها عدم حجّيّتها، بل يلزم من حجّيّتها واقعاً التعبّد بعدم حجّيّتها ظاهراً، و هذا ليس بمحال، نعم، هو لغو، حيث إنّه لا معنى لجعل حجّيّة تستلزم نفي نفسها ظاهراً؛ إذ يستحيل أن تصل هكذا حجّيّة.
الوجه الثاني: ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
و إخراج ظواهر القرآن منه، هو ما يقتضيه النظر الدقيق في فهم نفس الآية الكريمة التي تقول: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [١]، فإنّ هذه الآية قسّمت القرآن إلى قسمين: محكمات و متشابهات، ثمّ
[١] () سورة آل عمران، الآية: ٧.