بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٤ - و هذا الاستدلال ما قيل و ما يمكن أن يُقال في مناقشته أمور
وجود الشيء يستلزم عدمه، و عدمه يستلزم وجوده؛ إذ حينئذٍ: أيّها سوف يكون محالًا، الأوّل، أو الثاني، أو كلاهما محال، فيرتفعان؟ كما في هذا النقض المشهور على المنطق، الذي ذكره ذاك الإغريقيّ حيث قال: كلّ خبر إغريقيّ كاذب، و هو إغريقيّ، و قال: بأنّ هذا الخبر هو نفسه خبر إغريقيّ، فهل هو صادق أو كاذب؟ فإن كان صادقاً، إذن، فهو كاذب، إذن، فيلزم من صدقه كذبه؛ لأنّه إن كان صادقاً، إذن، فبعض الإغريق يصدقونه حينئذٍ، فتكذب الموجبة الكلّيّة، و إن كان كاذباً، و المفروض أنّ بقيّة الإغريق يكذبونه، إذن، فهو صادق، إذن، فالموجبة الكلّيّة صادقة.
و هنا لا يمكن أن نقول: بأنّنا نقبل الاستلزام، و لكن لا يقع خارجاً؛ لأنّه أيّهما لا يقع خارجاً، هل الصدق أو الكذب؟ فكلّ منهما وجوده يستلزم عدمه، إذن، كلّ منهما لا يقع خارجاً، فيلزم منه اجتماع النقيضين.
و بهذه المغالطة أراد أن يبرهن على اجتماع النقيضين، و يبطل المنطق.
و نحن هنا، يجب أن نثبت و نبرهن على عدم هذا الاستلزام، و نقول: إنّه، لا الكذب يستلزم عدمه، و لا الصدق يستلزم عدمه، كما في محلّ الكلام، و بالتالي: نثبت أنّ الحجّيّة لا تستلزم عدمها، و نبيّن هذا في مقامين:
المقام الأوّل: و هو مربوط بهذا النقض الإغريقيّ، و هو قوله: كلّ خبر إغريقيّ كاذب.
و حلّ هذه المغالطة هو أنّ هذه القضيّة قضيّة حقيقيّة، موضوعها هو الكلّيّ المقدّر الوجود الشامل لتمام الأفراد المحقّقة أو المقدّرة، و بهذا ينحلّ حينئذٍ- كما هو طبع القضيّة الحقيقيّة- فلا يكون قضيّة