بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥٨ - الإجماع المنقول
نعم، نحن لو سمعنا فتاوى الفقهاء لانتقشت في أنفسنا الاحتمالات، و أثّرت في خلق اليقين في أنفسنا، و لكن كما ترى، فإنّ هذا ليس من باب التلازم.
و هذا الإشكال ناشئ من تخيّل أنّ حساب الاحتمالات نجريه ابتداءً في كلّ إجماع إجماع، و حينئذٍ: احتمال الخلاف يفنى بنفسه، و يجري هذا الكلام، و على هذا الأساس، كنّا نحتال بعدّة احتيالات لدفع هذا الإشكال.
لكن بعد ذلك، ظهر بالتحقيق أنّ حساب الاحتمالات لا يجريه الإنسان ابتداءً في الإجماع، بل يجريه على مطلب أسبق منه رتبةً، بحيث نستفيد بعد ذلك حقّانيّة كلّ إجماع أو تواتر.
و تلك النكتة التي هي أسبق، هي أنّ هؤلاء الناس في العالم، ثبت بالتجربة و الاستقراء أنّهم يختلفون في ظروفهم و أذواقهم و مصالحهم و مشاربهم اختلافاً شديداً بحيث إنّ نقاط الاختلاف تزيد على نقاط التشارك.
و بعد أن يثبت ذلك يُقال: بأنّ افتراض أنّ هؤلاء الناس على اختلافهم المذكور، اتّفق أنّ كلّ واحدٍ منهم وجدت له مصلحة في أن يكذب علينا و يخبرنا بوجود اليمن مثلًا، فهذا معناه: أنّه في خصوص هذه القضيّة عوامل الاشتراك أثّرت، و عوامل الاختلاف لم تؤثّر أصلًا، مع أنّ الاختلاف أكثر من الاشتراك، و من الواضح: أنّ هذا بحساب الاحتمالات ضئيل جدّاً إلى حدّ ينطفئ احتمال الخلاف، أي: ليس من المحتمل خارجاً أن لا تؤثّر عوامل التباين، و تؤثّر عوامل الاشتراك، و حينئذٍ: إذا حصل اليقين بذلك، فإنّه يترتّب القطع بقضيّة كلّيّة، و هي أنّه كلّما وجد تواتر من آلاف من الناس بقضيّة معيّنة، حينئذٍ يحصل لنا اليقين بثبوتها، و هذا بنحو القضيّة الكلّيّة معلوم عند كلّ واحدٍ منّا.