بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣ - الاعتراض الثالث هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
عن إمكان شيءٍ و استحالته، و لا يجدون نكتةً توجب الاستحالة، حينئذٍ، غالباً يحصل لهم القطع بالإمكان، و حينئذٍ، يحكمون بالإمكان جزماً، لا من باب أصالة الإمكان، بل لأنّهم لم يجدوا وجهاً يدلّ على الامتناع، وعليه: فلا نسلّم أنّه يوجد بناء عقلائيّ عمليّ على أصالة الإمكان.
الاعتراض الثالث: هو أنّه لو سلّم انعقاد البناء العقلائيّ على أصالة الإمكان، إلّا أنّه لا قطع بموافقة الشارع لذلك
و إمضائها لهم، و معه: لا تكون هذه السيرة العقلائيّة حجّةً إلّا إذا ثبت إمضاء الشارع لها؛ لأنّ هذه السيرة العقلائيّة بما هي سيرة كذلك لا تكون مجديةً نفعاً، إذن، فلا يبقى في المقام إلّا الظنّ بالإمضاء، و الظنّ بالإمضاء ليس مفيداً.
و لكن، نحن نسأل من الخارج فنقول: إنّه لما ذا فرض الآخوند (قده) أنّه لا يوجد إلّا الظنّ بالإمضاء في خصوص هذه السيرة و كأنّها بدع من السيرة العقلائيّة، و لم يفرض القطع بالإمضاء كما هو الحال في سائر موارد الاستدلال بالسيرة، إذ حينما يستدلّ بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد، أو الظهور، فإنّا نقطع بإمضاء الشارع لها هناك، دون إمضائها في خصوص المقام فقط؟
و لهذا يحتاج كلامه لتكميل الجواب عن هذا الاعتراض، فيُقال: إنّه في خصوص المقام لا يُعقل القطع بالإمضاء؛ لأنّه لو قطع بالإمضاء لكان هذا قطعاً بالحكم الظاهريّ؛ لأنّ أصالة الإمكان حكم ظاهريّ تعبّديّ، فإذا قطعنا بأنّ الشارع أمضى ما عليه العقلاء، إذن، فقد قطعنا بأنّ الشارع جعل حكماً ظاهريّاً، و معه: نقطع بالإمكان، و حينئذٍ: تزول حاجتنا إلى أصالة الإمكان؛ لأنّ حصول القطع بذلك هو بنفسه قطع بجعل الحكم الظاهريّ، و معه: يرتفع الشكّ و موضوع أصالة الإمكان، و من أجل ذلك، فرض الظنّ و لم يفرض القطع.