بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٥ - الوجه السابع ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
هذه الروايات في قبال الاجتهاد الشخصيّ، و لعلّ مرجع الاحتمالين إلى نكتة واحدة.
الاحتمال الأوّل: أن يكون التعبير بالتفسير بالرأي و التحذير منه، و لا أقلّ في بعض هذه الروايات، من المحتمل أن يكون المراد من (الرأي) في ذلك ما نسمّيه بلغتنا اليوم بإعمال الجانب الذاتيّ في عمليّة التفسير، و يكون التعبير (بالرأي) إشارة إلى عدم الموضوعيّة في التفسير، فمثلًا: يُقال: هذا البحث موضوعيّ، و ذاك البحث ليس موضوعيّاً، فالبحث الموضوعيّ هو أنّ الباحث لم يحكّم ذاته و أفكاره المسبقة و عواطفه المبدئيّة أو الإقليميّة و غيرها في البحث، و إنّما كان تمام همّه طلب الواقع دون أن يفرض عليه مواقف فكريّة مسبقة، و قد تعرّض لها السيّد الأستاذ في كتابه اقتصادنا مفصّلًا.
و أمّا إذا كان همّه الوصول إلى نتيجة هو من أوّل الأمر يتبنّاها و يفتّش عن الشواهد لها، طارحاً ما لا يكون موافقاً لها جانباً، حينئذٍ يُقال عن هذا البحث: إنّه ليس موضوعيّاً.
فمن المحتمل أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) حينما رأوا أنّ الجدل قد شاع و ذاع في الآيات القرآنيّة و تفسيرها، و صار كلّ ذي طريقة و مذهب يخضع القرآن لمذهبه و طريقته عن طريق الاستدلال بالقرآن نفسه، و إن لم يكن استدلالًا موضوعيّاً، إلّا أنّه صورة استدلال، لكن في الواقع هو استغلال للقرآن، حينئذٍ: ورد عن الأئمّة (عليهم السّلام) المنع و الردع عن تفسير القرآن بالرأي، فإنّ هذا التفسير بهذا المعنى من أعظم المحرّمات؛ لأنّه تحكيم للأفكار المسبقة على القرآن، انتصاراً لمذهب، و إخضاع القرآن لهذه الأفكار، لا إخضاع ذاته و أفكاره للقرآن، فعبّر عن إخضاع القرآن للمذهب و الأفكار (بالتفسير بالرأي) دون أن يقصد من الرأي الاجتهاد في التفسير الراجع إلى الموضوعيّة في التفسير، و تحكيم