بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨ - الجواب الثاني هو أن يُقال إنّ الأحكام الظاهريّة مع الأحكام الواقعيّة، التنافي بينها يُتَصَوَّر له أحد ثلاثة عوالم
لا يعالج أساس المحذور، بل أساس المحذور حتى و إن عُولج بإنكار المبادئ للحكم الظاهريّ، ثمّ تُعُقِّل الظاهريّ على كلا التقديرين، و إلّا فهو غير متعقّل على كلا التقديرين، كما عرفت.
و الحاصل: هو أنّ هذا الجواب غير صحيح؛ لأنّ جعل المنجّزيّة أو المعذّريّة أو العلميّة أو أيّ اعتبار آخر، إن كان غير مستلزم عمليّاً للتوسعة على العبد، فعلًا أو تركاً، فلا أثر لجعل مثل هذا الحكم الوضعيّ، و لا يكون موضوعاً لحكم العقل بلزوم الإطاعة، و إن كان مستلزماً لذلك، فإن كان غير ناشئ عن مبادئ الحكم التكليفيّ من إرادةٍ و حبٍّ و شوقٍ نحو الفعل، أو كراهةٍ و بغض، فهذا وحده كافٍ لدفع تلك المحاذير في المقام، سواء كان الحكم الظاهريّ بحسب صياغته و اعتباره من سنخ الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة؛ لأنّ التنافي و المحاذير الناشئة منه إنّما تنشأ بلحاظ تلك المبادئ، و ليس بلحاظ تلك الصيغ الإنشائيّة للحكمين.
و إن كان جعل المنجّزيّة و المعذّريّة ناشئاً عن ملاكات واقعيّة، فمحذور التنافي باقٍ على حاله، سواء صيغة الحكم الظاهريّ المجعول من سنخ الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة.
و قد عرفت أنّ هذا الجعل لا يدفع محذور نقض الغرض، كما تقدّم.
الجواب الثاني: هو أن يُقال: إنّ الأحكام الظاهريّة مع الأحكام الواقعيّة، التنافي بينها يُتَصَوَّر له أحد ثلاثة عوالم:
العالم الأوّل: عالم نفس جعل الحكم.
و الصحيح أنّه في هذا العالم لا تنافي؛ لأنّ جعل الحكم اعتبار، و لا مضادّة بين اعتبارٍ و اعتبار.
العالم الثاني: عالم الامتثال، باعتبار أنّ الواقع يحتاج إلى امتثالٍ و جريٍ عمليّ، و الحكم الظاهريّ يحتاج إلى جريٍ بوجه مخصوص.