بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٥ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
و خلاصة القول: هي أنّ قول اللّغويّ في هذا المجال حجّة بقدر ما يكون شهادة عن حسّ بتتبّع موارد الاستعمال، و حينئذٍ: لا بدّ أن يخضع قانون الشهادة عن الحسّ بحيث يكون الناقل ثقة و ينقل عن حسّ، أو ينقل بواسطة ثقة، و حينئذٍ: يكون قول اللّغويّ حجّة في تعيين موارد الاستعمال.
و قد عرفت أنّ تحقيقات اللّغويّ و أنظاره الاجتهاديّة ليست حجّة على الفقيه؛ لأنّ الفقيه فيها هو من أهل الخبرة أيضاً.
المقام الثاني: هو في حجّيّة قول اللّغويّ في تعيين الأوضاع.
و لا إشكال في أنّ تعيين الأوضاع اللّغويّة يمكن أن يكون له طريق حسّيّ، و آخر نظريّ.
فالحسّ من قبيل أن يسمع الإنسان شهادة من أولئك العرب الأوائل مباشرة في أنّ اللّفظ الفلانيّ موضوع للمعنى الفلانيّ، و أنّه مستعمل في المعنى الآخر مجازاً.
و النظريّ من قبيل اقتناص ذلك بالقرائن و النكات، كما لو لاحظ أنّ لفظة (الأسد) تستعمل في (الحيوان المفترس)، و في (الرجل الشجاع)، لكن تاريخ استعمالها في (الرجل الشجاع) في لغة العرب بدأ بعد استعمالها في (الحيوان المفترس)، و بعد تتبّع نصوص الاستعمال، و بعد تتبّع موارده في (الرجل الشجاع) وجد أنّها كانت دائماً توأماً مع كلمةٍ أُخرى تدلّ على (الرجل الشجاع) كما في المثال المعروف: (رأيت أسداً يرمي)، فالقرينة محفوظة في جلّ هذه الموارد، بينما في موارد استعمالها في (المفترس) لم يكن يوجد مثل هذه القرينة، بحيث يستنتج بحساب الاحتمالات أنّ العرب حينما كانوا يستعملونها في (المفترس) لم تقترن بدالٍّ آخر، و لوحظ أنّ موارد استعمالها في (الرجل الشجاع) هي موارد إرادة المبالغة في شجاعته، و في غير موارد المبالغة لا يعبّر عنه (بأسد)