بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٥ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
و كون إثبات سيرة المتشرّعة بحاجة إلى الركن الأوّل فقط من دليل السيرة العقلائيّة ليس معناه أنّه يكون من باب بناء دليل على تماميّة دليل آخر ليكون جزافاً و تكراراً.
و توضيح ذلك هو: أنّنا لو فرضنا أنّ الطباع العقلائيّة لم تكن تقتضي العمل بالظهور رأساً، و أنّها لا بشرط من ناحية الظهور و أيّ شيء آخر، بل نسبة عملها بالظهور إليها كنسبة الاستخارة إليها، حينئذٍ، لا يمكننا أن نثبت أنّ سيرة المتشرّعة كانت قائمة على العمل بالظهور؛ لأنّنا أثبتنا ذلك عند ما قلنا: إنّه لو لم يكونوا يعملون بالظهور لكان البديل ظاهرة غريبة محفوظة إلى يومنا هذا، و لَوَصَلت إلينا، مع أنّه لم يصلنا شيء.
و هذا الكلام إنّما يصدق فيما إذا كان العقلاء بحسب طبعهم يبنون على الظهور.
إذن، فهذا المنهج من الاستنتاج كان يفترض ضمناً أنّ البديل- كالاستخارة مثلًا- طريق غير عقلائيّ، و أنّ الظهور طريق عقلائيّ، حينئذٍ يُقال: بأنّ الفقهاء من الصحابة لو كان قد عدلوا عن الطريق العقلائيّ إلى غيره، لنُقل و وصل إلينا بوجه من الوجوه.
إذن، افتراض عقلائيّة الظهور، و أنّه هو الطريق العقلائيّة المتّبعة بحسب الطباع العقلائيّة، افتراض ذلك مقوّم لطريقتنا في استنتاج إثبات سيرة المتشرّعة، و بعد الالتفات إلى ذلك، حينئذٍ يمكننا أن نثبت هذه الطريقة، أي: نستنتج التعميم من سيرة المتشرّعة، و ذلك بأن نقول:
بأنّ الفقهاء من الصحابة لا يخلو أمرهم من واحدة من حالتين:
فهم، إمّا أنّهم كانوا يعملون بالظواهر بحسب سجيّتهم العقلائيّة.
و إمّا أنّهم كانوا يعملون بالظواهر ضمن قاعدةٍ أخصّ من مقتضى السجيّة العقلائيّة.