بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٤ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
و هذا بخلاف دليل السيرة العقلائيّة، فإنّه باعتبار كونه منصبّاً على قضيّة اقتضائيّة عقلائيّة معاشة في المرتكزات العقلائيّة، حتى أنّه يمكننا تلمّسها مباشرةً، فلذلك لا فرق بلحاظها بين ظهور و آخر، و لذلك نعمّم نتيجها إلى كثير من القضايا العقلائيّة.
إلّا أنّ الصحيح أنّه لا ينبغي أن نفهم أنّ سيرة المتشرّعة سنخ قضيّة و دليل في قوّة القضيّة المهملة، بحيث متى ما شككنا يمكن أن نقول: إنّ المهملة في قوّة الجزئيّة، فيقتصر على القدر المتيقّن، و حينئذٍ: لا يصحّ الاستدلال في الباقي، فإنّ هذا ليس صحيحاً.
بل الصحيح إمكان استفادة التعميمات في سيرة المتشرّعة، و إن كانت دليلًا لبّيّاً غيبيّاً، لكن بعد ضمّ افتراض السيرة العقلائيّة، بمعنى: أنّنا نأخذ بعين الاعتبار السيرة العقلائيّة أوّلًا، و بلحاظها نستنتج القضيّة المعمّمة من سيرة المتشرّعة.
بل الحقيقة هي أنّ أخذ السيرة العقلائيّة بعين الاعتبار في مقام الاستدلال بسيرة المتشرّعة و إثباتها أمر لازم على كلّ حال؛ لاقتناص النتيجة و لو في الجملة على ما سوف تعرفه إن شاء الله تعالى.
و لا ينتج هذا جزافاً من الاستدلال، و أنّه بناء دليل على دليل، فإنّ سيرة المتشرّعة ليست بحاجة إلى دليل السيرة العقلائيّة بكلا ركنيها، بل إلى الركن الأوّل منها فقط؛ إذ قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ دليليّة السيرة العقلائيّة متقوّم بركنين:
الركن الأوّل: هو إثبات نفس السيرة العقلائيّة بوصفها قضيّة عقلائيّة اقتضائيّة.
الركن الثاني: هو إثبات إمضاء الشارع لها.
و مجموع الركنين يتمّم السيرة العقلائيّة، أمّا الأوّل وحده، فلا يتمّم دليل السيرة العقلائيّة.