بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٣ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
و حينئذٍ نقول: إنّ هذه الأحكام الواقعيّة التي نفرضها في حقّ الجاهل غير قابلة للمنجّزيّة، و لا يحكم العقل بمنجّزيّتها؛ لأنّها مبتلاة بملاكات مزاحمة بحسب الفرض، فلو فرض أنّ هذه الملاكات لم تكن أقوى من مزاحمتها، بل كانت مساوية لها، أو تلك أقوى، لم تكن قابلة للتنجيز، و إنّما يحكم العقل بمنجّزيّتها لو كانت هي أقوى، و قد فرض أنّ غيرها أقوى منها؛ لأنّا نتكلّم عن الحكم الواقعيّ الذي كان الحكم الظاهريّ على خلافه.
و بتعبير آخر يُقال: إنّنا في مقام الجمع بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة لا بدّ من تصوير ثبوت للأحكام الواقعيّ يكون مشتركاً بين العالم و الجاهل بحكم بطلان التصويب، إلّا أنّ هذا الثبوت المشترك بين العالم و الجاهل لا بدّ أن يكون بنحوٍ صالح بحدّه و بنفسه للتنجيز لو وصل إلى المكلّف بوصولٍ منجّز.
و أمّا الثبوت المشترك الذي لا يصلح للتنجيز- حتى لو وصل- مثل هذا الثبوت ليس معياراً للأحكام الواقعيّة و لا محقّقاً لما هو المطلوب من انحفاظ الحكم الواقعيّ، و إلّا لأمكن المصير إلى إنشائيّة صاحب الكفاية (قده) ببعض معانيها، و ذلك بأن يُفرض وجود إنشائيّ بحت مشترك بين العالم و الجاهل، بلا حاجةٍ لفرض عنايات.
إذن، لا بدّ من أن يكون هذا الثبوت المشترك للحكم الواقعيّ نحو ثبوت صالح للتنجيز لو وصل بحدّه.
و هذا المطلب يُدّعى في هذا الإشكال أنّه لم يتحقّق في الفرضيّة المذكورة؛ لأنّنا تصوّرنا الجمع بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة بإيقاع التزاحم بين المبادئ الواقعيّة، لكن التزاحم الحفظيّ أوجب أن تكون الملاكات الإلزاميّة مبتلاة بالمزاحم في مقام الحفظ، و المزاحم لها هو الملاكات الترخيصيّة، و إن كان كلّ منهما في موضوع غير موضوع الآخر، لكنّه تزاحم حفظيّ.