بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤٣ - الكلام في حجّيّة الإجماع
حينذاك كانت حسب متون الروايات، و لا يحتمل عادةً أنّ هذا الحكم كان مفاد رواية خاصّة وصلت إليهم بطرقهم ثمّ لم يعنونوا مسألة بإزاء مفاد تلك الرواية، و غفلوا جميعاً عن ذلك، فإنّ هذا بعيد جدّاً.
و على ضوء ما ذكرنا تندفع كلّ الإشكالات التي يمكن أن ترد على حجّيّة الإجماع، و نختار منها أربعة إشكالات، لنرى عدم ورودها على ما ذكرناه.
الإشكال الأوّل: هو أن يُقال: نسلّم بأنّ اتّفاق أصحاب شخص يكشف لا محالة عن رأي ذلك الشخص و ذوقه، لكن هذا إنّما يحصل فيما إذا كان هؤلاء الأصحاب في موقعٍ يمكّنهم من الاتّصال المباشر بصاحبهم و أفكاره و ذوقه و أخذ العلم منه، و أمّا إذا كانوا محجوبين عنه و ليس بينهم و بينه إلّا الحدس و الظنون، ففي مثل ذلك لا يكون اتّفاقهم كاشفاً عن رأيه.
و مقامنا من هذا القبيل، فإنّ فقهاء عصر الغيبة و إن كانوا هم أصحاب الإمام وليّ العصر (عليه السّلام) لكنّهم محرومون من التشرّف بالوصول إليه و أخذ العلم منه، و حينئذٍ: في مثل هذه الحالة لا يكشف اتّفاقهم عن رأيه (عليه السّلام) حيث لم يكوّن واحد منهم رأياً عن الإمام فضلًا عن الجميع لكونهم محجوبين عنه، إذن، فعلى ما ذا يتّفق مع بقيّة الأصحاب؟ أو قل: على ما ذا يتّفقون؟
و قد ظهر جواب هذا الإشكال ممّا تقدّم؛ لأنّنا في التطبيق الثاني الأقوى لم نحاول أن نكشف رأي المعصوم من إجماع الفقهاء مباشرة، بل افترضنا وسيطاً، و هو الارتكاز المتلقّى من جيل أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام)، فإجماع الفقهاء الأقدمين يكشف عن ارتكاز في الطبقة التي هي أصل الرواية و همزة الوصل بين الأئمّة و هؤلاء الفقهاء، و انعقاد هذا الارتكاز يكشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) كما عرفت.