بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٩ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
المعنى الثاني: هو أن يُراد بسيرة المتشرّعة، السيرة التي مارسها بالفعل المتشرّعون المتديّنون و جروا عليها، سواء كنّا قد جزمنا أنّهم جروا عليها بما هم متشرّعة، أو أنّهم جروا عليها بمقتضى طبعهم، أي: بقطع النظر عن الحيثيّة التعليليّة، فيشمل ما إذا جزمنا أنّ أصحاب المعصوم (عليه السّلام) كانوا فعلًا يجرون على العمل بأخبار الثقات، لكن لا جزم لنا في بادئ الأمر أنّ عملهم هذا هل هو بلحاظ تشرّعهم أنّه من باب عقلائيّة هذا المطلب في نفسه و من حيث إنّه عقلائيّ، و هذه السيرة المتشرّعيّة بالمعنى الأعمّ.
و يقابل هذه السيرة بالمعنى الأعمّ ما إذا أحرزنا أنّ الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها لكانت تجري على طبق هذا المطلب، من دون أن نحرز فعلًا أنّها هل جرت عند المتشرّعة أو لم تجرِ.
و من الواضح أنّ سيرة المتشرّعة بالمعنى الأخصّ أقوى دلالةً منها بالمعنى الأعمّ؛ لأنّها بالمعنى الأوّل، لا يحتمل أن تكون ناشئة من الطباع العقلائيّة، بل لا بدّ من أن تكون ناشئة من البيان الشرعيّ، نعم، يبقى احتمال الخطأ و القصور من جهة حاقّ هذا البناء، و أنّه قد يكون قصور في تلقّي هذا المطلب، و هذا منفيّ بحساب الاحتمال كما تقدّم.
و أمّا السيرة المتشرّعيّة بالمعنى الأعمّ، فاحتمال نشوئها من الطبع العقلائيّ موجود، و من هنا، كانت دلالة عمل العصابة من الأصحاب بالجهر في صلاة الظهر من يوم الجمعة مثلًا أقوى دلالةً على الحكم من عمل العصابة بأخبار الثقات؛ لاحتمال أن يكون العمل بأخبار الثقات متأثّراً بالنزعة العقلائيّة، دون الأوّل، لكن مع هذا، فالثاني أيضاً هو حجّة؛ لأنّ النزعة العقلائيّة عند المتشرّعة، و إن اقتضت بحسب طبعها الجري على طبق طبعها، لكن لكونهم متشرّعة و متديّنين، لا