بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٧ - و هذا الاستدلال ما قيل و ما يمكن أن يُقال في مناقشته أمور
لا قطع بعدم الفرق، و من الواضح حينئذٍ: أنّ حجّيّة كلّ دلالة إنّما تقتضي التعبّد بمفادها، و مفادها ليس إلّا عدم حجّيّة الدلالة التي قبلها، فيلزم من حجّيّة كلّ دلالة التعبّد بعدم حجّيّة الدلالة التي قبلها، و معه: فلا يلزم محذور كون الشيء موجباً لعدم نفسه.
و أمّا إذا افترضنا القطع بعدم الفرق بين الدلالة الأُولى و الثانية، فقد يتوهّم أنّه يلزم حينئذٍ محذور استلزام وجود الشيء لعدم نفسه؛ لأنّ هذه الدلالة تدلّ بالمطابقة على عدم حجّيّة الدلالة التي قبلها، و تدلّ بالالتزام على عدم حجّيّة نفسها؛ لأنّنا نقطع بعدم الفرق، إذن، فحجّيّتها تستلزم عدم حجّيّتها.
لكن إذا دقّقنا النظر، نجد أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ الذي يلزم من حجّيّة هذه الدلالة هو التعبّد بمفادها، لا ثبوت واقع مفادها؛ إذ من الواضح: أنّ حجّيّة كلّ أمارة تساوق التعبّد بمفادها، لا واقع مفادها؛ إذ قد يكون مفادها غير واقعيّ، فإذا كان مفادها عدم حجّيّة نفسها، إذن، فالحجّيّة الواقعيّة لهذه الدلالة تستلزم العدم الظاهريّ لهذه الحجّيّة، لا الواقعيّ، إذن، فلم يلزم من وجود الشيء عدم ذلك الشيء، بل لزم من حجّيّة الدلالة التعبّد بمفادها الذي هو التعبّد بعدم هذه الحجّيّة.
نعم، و إن كان هذا ليس مستحيلًا عقلًا، إلّا أنّه مستحيل عقلائيّ، باعتبار اللّغويّة، فإنّه يستحيل أن يجعل المولى حجّة تستلزم نفي نفسها ظاهراً.
و برهان هذه اللّغويّة هو أنّ هذه الحجّة إمّا أن تصل أو لا، فإن لم تصل، فلا أثر لها، و إذا وصلت، فبمجرّد أن تصل نعلم بكذبها؛ لأنّ معنى وصولها قطعنا بالحجّيّة، إذن، كيف تعبّدنا بعدمها؟ و مثل هذه الحجّة لا يعقل جعلها لمحذور اللّغويّة، لا لمحذور أنّه يلزم من وجودها عدمها.