بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٥ - الجهة الخامسة أنّ الحجّيّة الثابتة للظهور، هل هي ثابتة لظهور موضوعيّ فرعيّ محفوظ، أو هي ثابتة لظهور ذاتيّ شخصيّ
الظهور، هل هو الظهور الموضوعيّ النوعيّ، أو أنّه هو الظهور الذاتيّ الشخصيّ؟ إذن، فنحن بحاجة للتمييز بين هذين الظهورين.
و قد تقدّم أنّ المقصود بالظهور الذاتيّ الظهور الفعليّ الذي ينسبق إلى ذهن شخصٍ ما بالخصوص، و هذا الظهور من شئونه و خواصّه، ان مقام ثبوته هو عين مقام إثباته؛ إذ ليس له واقع إلّا انسباق الذهن إليه، و فهم الشخص هذا المعنى من هذا اللّفظ، و هذا الانسباق أمر وجدانيّ، ثبوته عين إثباته، كما هو الحال في سائر الأمور الوجدانيّة، و من شئونه أيضاً: أنّه قد يختلف في شخصين، كما يتّفق كثيراً أنّ شخصين كلّ منهما يقرأ رواية فيستظهر أحدهما غير ما يستظهره الآخر، فهنا: الظهور الذاتيّ حصل لكلٍّ منهما مع الاختلاف فيما استظهره كلّ منهما، فكان لهذا الظهور مدلولان مختلفان، و من هنا يُعلم: أنّ الظهور الذاتيّ نسبيّ، يعني: أنّه قد يختلف من شخص لآخر باختلاف أحد عاملين:
العامل الأوّل: هو عدم استيعاب تمام نكات اللّغة و أساليب المحاورة، فأحدهما يظهر له ما لا يظهر للآخر، و يخفى عليه ما لا يخفى على الآخر.
العامل الثاني: هو تدخّل شئون الشخصيّة في فهم المعنى، من قبيل تدخّل مهنة الشخص و طرز ثقافته و أسلوب تربيته و معاشرته و نحو ذلك، إذن، فالظهور الذاتيّ نسبيّ.
و في مقابل هذا الظهور، الظهور الموضوعيّ، و هذا الظهور مقام ثبوته غير مقام إثباته؛ لأنّ المقصود بالظهور الموضوع ليس الظهور الذي ينسبق إلى ذهن زيد أو عمرو حتى يكون أمراً وجدانيّاً، بل الظهور الموضوعيّ عبارة عن الدلالة المتحصّلة للكلام بموجب تمام القوانين الثابتة للمحاورة في تلك اللّغة، و هذه الدلالة لها واقع و تعيّن و مقام ثبوت بقطع النظر عن فهم زيد الشخصيّ.