بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٣ - الوجه الثالث ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
و كلمة التأويل هنا- لو حملنا المتشابه على المعنى الذي حمله عليه العلماء كما تقدّم، و هو المجمل، أي: المتشابه بحسب عالم المعنى- حينئذٍ التأويل هنا بالمعنى المصطلح، و هو حمل اللّفظ على خلاف المتفاهم العرفيّ، أمّا إذا حملناه على المعنى الثاني للمتشابه، أي: متشابه بحسب المدلول المصداقيّ، حينئذٍ: فالتأويل هنا بمعنى الأَول و الرجوع، أي: ما يؤول إليه المفهوم؛ لأنّ كلّ مفهوم يؤول إلى حقيقته و يرجع إليها، فيحمل التأويل على معنى يناسب الأَول و الرجوع، أي: رجوع المفهوم إلى مصداقه.
فهنا أيضاً تكون الآية أجنبيّة عن محلّ الكلام؛ لأنّ المتشابه لم يلحظ فيه من حيث المعنى، بل من حيث المصداق.
و قد قيل: بأنّ هذه الآيات المتشابهة مصداقاً، لا ينبغي اتّباع طريقة أهل الزيغ فيها؛ لأنّهم يستخدمونها ابتغاء الفتنة و التأويل، بينما نحن يجب علينا اتّباع المتشابه كوجوب اتّباع المحكم، بمعنى: أنّه لا بدّ من الإيمان بالمتشابه، لكن لا اتّباعاً ابتغاءً للفتنة، فالإشكال على أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه استطراقاً للوصول إلى عالم المصداق، و هو عالم الارتباك و الإرباك، و لعلاج ما لا يمكن علاجه و هو المصداق؛ لأنّ القرآن يتحدّث عن عالم الغيب في المتشابه، و لكي يربط الإنسان به، فيستعير مصاديق غيبيّة لا يمكن استيعابها في عالم الشهادة، فهي ضروريّة ربّانيّة، إذن، بناءً على هذا لا ربط للآية بمحلّ الكلام بوجه من الوجوه.
و الخلاصة هي: أنّ ظاهر الآية إرادة المتشابه المصداقيّ، بمعنى: أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الآيات التي مصاديق مداليلها المفهوميّة في الخارج لا تنسجم مع واقع مصاديقها؛ لأنّ هذه من عالم الشهود و المادّة، و تلك من عالم الغيب، فيطبّقونها على المصاديق الخارجيّة