بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٧ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
نُثبت أنّ الطباع العقلائيّة كانت تعمل بمقتضى الظهور ما لم يردع الشارع، فالقضيّة الطبعيّة هنا تكفي، بينما هناك لا تكفي، بل لا بدّ من إحراز عدم الردع و الجزم به.
و الحاصل هو: أنّه حينما نريد أن نستدلّ بسيرة المتشرّعة، لا بدّ و أن نثبت استقرار بناء المتشرّعة و عمل أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) و الأجيال المعاصرة لهم على ذلك العمل.
و أمّا السيرة العقلائيّة فيكفي فيها أن نُثبت أنّ الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها و لم تُردع لكان مقتضاها أنّ هذا هو مسلكها و طريقتها، و إن كان بالفعل لم يجرِ أصحاب الأئمّة و المتشرّعة في زمانهم على ذلك.
و عدم الردع هذا، نُثبته ببرهان الشرطيّة، و هو أنّه (لو ردع لوصل)، و المفروض أنّه لم يصل، إذن، فلم يردع، و إذا أثبتنا الشرطيّة الثانية يثبت الإمضاء و الحكم.
و الخلاصة: هي أنّه يكفي الاستدلال بالسيرة العقلائيّة أن نُثبت أنّ الطباع العقلائيّة لو خُلِّيت و نفسها و من دون ردع لكانت تقتضي جري العقلاء عليها دون أن نحتاج- في الركن الأوّل- إلى أكثر من ذلك، و إثبات أنّ العقلاء في زمن الأئمّة (عليهم السّلام) بالفعل كانوا يعملون طبقاً لتلك الطبيعة كما نحتاجه في سيرة المتشرّعة، ذلك لأنّ نفس ثبوت القضيّة الطبعيّة العقلائيّة مع عدم وصول ردعٍ عنها كافٍ في الكشف عن إمضاء الشارع لمقتضاها.
الفارق الثاني: هو أنّ سيرة المتشرّعة إذا استكملت شرائطها، فلا معنى لاحتمال الردع، و ذلك لأنّ سيرة المتشرّعة تكشف عن الحكم و عن البيان الشرعيّ كشف المعلول عن العلّة، فهي نتيجة للإمضاء، و حينئذٍ: لا معنى لاحتمال الردع فيه.