بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩ - أمّا الأمر الأوّل و هو أنّ الظنّ ليس واجب الحجّيّة،
و ثانيهما: هو أنّه بعد أن عُلم أنّه مولى، بُحث في أنّه متى تتنجّز تكاليفه، و ما هي دائرة التنجيز، فهل يتنجّز خصوص تكاليفه المقطوعة، أو أنّه يشمل المظنونة و المشكوكة بل المحتملة أيضاً؟
و من هنا، جُعِل البحث عن دائرة التنجيز بحثاً أصوليّاً، فبُحِث عنها في الأصول.
و قد تفرّع على هذا التفكيك بين أصل المولويّة و بحث المنجّزيّة: أن طُرِحت قضيّة حجّيّة القطع، فقيل: بأنّ القطع حجّة و منجّز بذاته، بمعنى: أنّ حجّيّته و منجّزيّته من لوازم خصوصيّة الانكشاف التامّ فيه؛ حيث إنّها خصوصيّة موجودة في القطع، و هذه المنجّزيّة من لوازم الخصوصيّة التي هي مقوّمة لحقيقة القطع، و إذا كانت منجّزيّته من لوازم هذه الخصوصيّة المقوّمة لحقيقته، فلا تحتاج لجعل جاعل، و لازم اعتبار المنجّزيّة أمراً وراء المولويّة، و اعتبارها من لوازم خصوصيّة الانكشاف التامّ المقوّم لحقيقة القطع، قلت: لازم ذلك: أنّه إذا انتفى الانكشاف التامّ انتفت المنجّزيّة؛ لأنّها من لوازم خصوصيّة الانكشاف التامّ، فحيث لا انكشاف تامّ فلا منجّزيّة.
و معنى (لا منجّزيّة): يعني: أنّ العبد لا يستحقّ العقاب مع فرض عدم الانكشاف التامّ، و هذا ما سُمّي بعدئذٍ بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، الذي هو بمثابة المفهوم لقاعدة حجّيّة القطع، باعتبار أنّ التنجّز من لوازم خصوصيّة الانكشاف التامّ، فإذا انتفى الملزوم انتفى لازمه، فيحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.
و من الواضح، أنّ الظنّ يدخل تحت قضيّة إطلاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ الظنّ ليس انكشافاً تامّاً، فهو (لا بيان)، إذن، فقاعدة (قبح العقاب) تنطبق عليه.
و هذا هو معنى أنّ الظنّ ليس منجّزاً بذاته ما لم نتمّم بيانه بعنايةٍ إضافيّة.