بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٩ - الوجه الثاني ممّا يستدلّ به على تخصيص دليل حجّيّة الظواهر
عابت على أهل الزيغ و ذكرت طريقتهم، و أنّهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله.
و قد استفيد النهي عن العمل بالمتشابه بما ذكر من طريق أهل الزيغ، و إلّا، ليس في الآية نهي ابتدائيّ بلسان (لا تعملوا بالمتشابه)، و إنّما هو مقتنص من هذا البيان لطريقة أهل الزيغ.
و من الواضح: أنّ المتفاهم عرفاً- بعد هذه القسمة الثنائيّة- هو أنّ أهل الزيغ يخصّون باتّباع المتشابهات خاصّةً، و يفصلون المتشابهات عن المحكمات، لأجل غرض لئيم، و هو ابتغاء الفتنة، فالانحراف المسجّل على أهل الزيغ لم يثبت أنّه سجّل عليهم لمحض العمل بالمتشابه، و أيّ شيء كان معنى المتشابهات، بل سجّل عليهم باعتبار تتبّعهم لخصوص المتشابهات و التهريج بها، كما هو الحال فيمن يريد تشويه سمعة إنسان، فيأخذ من كلماته أو كتبه و يلتقط منها ما هو مشوّش، و يهرّج بها عليه، و يترك محكماته، و كما هو شأن المستشرقين في زماننا هذا، عند ما يتناولون الإسلام أو جوانب منه تحت شعار العلم و التمحيص العلميّ، فيأخذون بعض الجوانب منه منفصلة عن بقيّة الجوانب، بحيث إنّها حينئذٍ لا تبدو إلّا ممسوخة مشوّهة، ثمّ يخرجون بنتيجة ممسوخة أيضاً، يهرّجون بها على المسلمين، لكي ينحرفوا بهم عن الإسلام إلى ما يشتهون.
فظاهر البيان المذكور في الآية بعد القسمة ظاهره الحصر، من قبيل قول القائل: الدروس فيها فقه و أصول، و الجماعة الفلانيّة تدرس الأصول.
و هكذا أهل الزيغ، فإنّهم كانوا يتبعون المتشابهات و يتعاملون معها معاملة مستقلّة دون الرجوع إلى المحكمات، مع أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب، و لا يصحّ النظر إلى المتشابهات قبل النظر إلى المحكمات.