بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٤ - الكلام في حجّيّة الإجماع
عن الشهادات الحسّيّة، أو بما يقرب من الحسّ، من أنّ فلاناً عادل أو كريم.
و أمّا مفردات الإجماع فهي شهادات حدسيّة على الأغلب، باعتبار أنّ مفردات الإجماع مبنيّة على فتاوى الفقهاء، و الفتوى عادةً مبنيّة على النظر و الاجتهاد، فتكون شهادة حدسيّة.
و من الواضح: أنّ احتمال الخطأ في المفرد الحسّيّ أضعف ابتداءً من احتمال الخطأ في المفرد الحدسيّ، و حينئذٍ: فحساب الاحتمال سوف يبدأ من أوّل الأمر بكسر كبير يريد أن يضعّفه في باب الإجماع، فإذا كان احتمال الخطأ في الحسّ نصفاً، فيكون احتمال الخطأ في الحدس ثمانية أعشار مثلًا، و هذا أكبر من نصف، و من هنا كانت كاشفيّة الإجماع تتأثّر بنكتة اقتراب الفتوى من الحسّ، فكلّما كانت الفتاوى أقرب للحسّ و كان حجم النظر الاجتهاديّ فيها أقلّ، كان احتمال الخطأ فيها أضعف، و بالتالي: تكون كاشفيّة الإجماع أقوى.
و بهذا قد تتميّز مسألة عن أُخرى باعتبار أنّ إحداهما حجم النظر الاجتهاديّ فيها أقلّ أو أكثر دون الأُخرى، و كذلك يختلف عصر عن عصر آخر، فكلّما اقتربنا من عصر المعصوم (عليه السّلام) كان حجم الجانب الحسّيّ في الفتوى أكثر من الجانب الحدسيّ، و من هنا، كانت قيمة تلك الفتوى أكبر من القيمة الاحتماليّة بفتوى أُخرى متأخّرة، باعتبار أنّ طول الزمان هو الذي خلّف مشاكل كثيرة حول المسألة من حيث الدلالة و السند.
و كذلك فكلّما ابتعدنا عن عصر المعصوم (عليه السّلام) كان حجم الحدس أكبر، و هكذا كلّما كان الفقهاء أنضج اجتهاداً و أكثر حدساً و إحاطة، كانت فتاواهم أقرب كاشفيّة و أشدّ في مقام تزويد الإجماع بالكاشفيّة.