بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٨ - الوجه الرابع لتأسيس الأصل العمليّ
الإسناد بلحاظ الفرد الثاني من الجامع، و هو عدم واقع الحجّيّة، و هذا يثبت بالاستصحاب.
نعم، لو لا جريان الاستصحاب لكان المثبت للحرمة وجداناً موجود، لكن في عرض جريان الاستصحاب و حاكميّة أدلّته على أدلّة الشكّ لا يبقى منشأ للحرمة إلّا إثبات المستصحب.
لكن هذه الصورة في نفسها لا تخلو من غرابة، ليس فقط من أجل ما أشرنا إليه، من أنّه أخذ عدم العلم، بمعنى الشكّ، لا بمعنى يشمل القطع بالعدم، فإنّ هذا بنفسه غريب؛ إذ يعني: أنّ حالة الشكّ أسوأ من حالة القطع بالعدم.
لكن مضافاً إلى هذا، فهناك غرابة أُخرى في هذه الصورة.
و حاصلها: هو أنّه يلزم أنّه لا حرمة في الواقع لو فرض أنّ الأمارة كانت حجّةً في الواقع، و المكلّف يشكّل في حجّيّتها، فهنا لا إشكال في ثبوت الحرمة؛ إذ لا أقلّ من الشكّ، حينئذٍ، يلزم أنّه لو جرى الاستصحاب لا يكون حراماً هذا في الواقع؛ لأنّ كلا فردي الموضوع للحرمة غير موجود، فالشكّ غير موجود، لحكومة دليل الاستصحاب على أدلّة الشكّ الموضوعيّ، و هي حكومة واقعيّة، و الفرد الآخر غير موجود، و هو عدم الحجّيّة؛ لأنّ هذا حجّة، بينما لو لم تكن الحالة السابقة عدم الحجّيّة و لم يجرِ الاستصحاب، لكان هذا حراماً و لو من أجل الشكّ.
و هذه الغرابة كاشف عن بطلان هذه الصورة.
و خلاصة هذه الغرابة هي أنّ هذه الفرضيّة- مضافاً إلى ما تستلزمه من فرضيّة أسوئيّة حال الشاكّ في الحجّيّة من العالم بعدمها، و هو فرض غير عرفيّ- يلزم منها أن يكون جريان الاستصحاب ملغياً