بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٠ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
يُحتمل أن يكون عملهم هذا على طبق ما ارتكز و استقرّ في أذهانهم من دون رجوع أو سماع من المعصوم و لو بطريق غير مباشر، إذن، فاحتمال كون منشأ سلوكهم هو ما ارتكز في أذهانهم فقط من دون موافقة الشارع لهم على ذلك، مثل هذا بعيد جدّاً في حقّهم، لما عرفت أنّه بحسب حساب الاحتمال منفيّ في حقّهم أن يكونوا جميعاً قد غفلوا عن السؤال عن حكم المسألة، أو قد غفلوا عن كونهم متشرّعة، و لا يصحّ لهم إلّا ما أمضاه المعصوم (عليه السّلام)، إذن، فأيضاً يرجع هذا إلى الأوّل، فسيرة المتشرّعة بالمعنى الأخصّ، و بالمعنى الأعمّ، حجّة بملاك واحد، و إن كانت حجّيّتها بالمعنى الأخصّ أقوى منها بالمعنى الأعمّ.
و حاصل المعنى الثاني لسيرة المتشرّعة هو أن يُراد منها السيرة التي مارسها المتشرّعة بالفعل، و جروا عليها، سواء كان ذلك لتشرّعهم، أو بمقتضى طبعهم، و مثال ذلك: سيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) على العمل بأخبار الثقات خارجاً، من دون أن يحصل لنا جزم بأنّ هذا العمل هل هو من باب كونهم عقلاء، أو أنّه لأجل تشرّعهم و تلقّيهم ذلك من المعصوم (عليه السّلام) و هذه سيرة متشرّعيّة بالمعنى الأعمّ.
و يُقابل هذه السيرة السيرة العقلائيّة بمعنى: إحراز أنّ الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها لاقتضت الجري على طبق هذا المطلب من دون أن نُحرز فعلًا جريان المتشرّعة على طبقه أم لا.
و من الواضح: أنّ كلا هذين المعنيين لسيرة المتشرّعة حجّة بملاك كشف المعلول عن علّته، إلّا أنّ السيرة بالمعنى الأوّل أقوى دلالةً منها بالمعنى الثاني؛ إذ لا يحتمل فيه أن تكون ناشئة من الطبع العقلائيّ، بل يحتمل أن يكون منشأ الخطأ فيها هو أن يكون المتشرّعة