بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٨ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
فمثلًا: لو انعقدت سيرة المتشرّعة على الجهر في صلاة الظهر من يوم الجمعة، فلا معنى للبحث عن ردع الشارع عنها؛ لأنّ هذه السيرة فرع إمضاء الشارع لها، فاحتمال الردع هنا غير وارد، و هذا بخلافه في السيرة العقلائيّة؛ لأنّ السيرة العقلائيّة بمعنى انعقاد الطبائع العقلائيّة على تصرّفٍ ليس هو من معلولات الشارع و مدلولاته حتى يستحيل احتمال الردع عنه، إذن، فلا بدّ هنا من نفي احتمال الردع كما تقدّم في البرهان.
و خلاصته هو: أنّ سيرة المتشرّعة إذا استكملت شرائطها فلا معنى حينئذٍ لاحتمال الردع عنها؛ لأنّها تكشف عن البيان الشرعيّ كشف المعلول عن علّته، حيث إنّها معلولته و هو على طبقها، إذن، فلا يُحتمل الردع عنها، و هذا بخلاف سيرة العقلاء، حيث إنّ انعقادها ليس معلولًا للشارع، و إنّما لقضيّة عقلائيّة يحتمل الردع عنها.
و ينبغي أن يُعلم أنّ ما نجعله سيرة المتشرّعة في مقابل سيرة العقلاء له أحد معنيين:
المعنى الأوّل: هو أن نريد بسيرة المتشرّعة أن يكون التشريع و المتشرّعيّة حيثيّة تعليليّة للسيرة، بحيث إنّ المتشرّعة بسبب كونهم متشرّعة سلكوا هذا المسلك، و هذا معنى السيرة المتشرّعيّة بالمعنى الأخصّ، من قبيل أن يفرض أنّ سيرة المتشرّعة انعقدت على الجهر في صلاة ظهر يوم الجمعة، فلو صحّ هذا، فمن الواضح: أنّ هذه السيرة صدرت عنهم بسبب التشريع، و بسبب كونهم المتشرّعة، فالتشرع حيثيّة تعليليّة.
و الحاصل هو أنّ سيرة المتشرّعة بالمعنى الأوّل هي أن يكون تشرعهم حيثيّة تعليليّة لسيرتهم، من قبيل سيرتهم على الجهر في صلاة الظهر من يوم الجمعة لو فرضت كذلك، و هذه سيرة متشرّعيّة بالمعنى الأخصّ.