بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٦ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
و إن لم يفترضوا المصلحة الطريقيّة بالنحو المتقدّم، و إنّما أصرّوا على المصلحة النفسيّة، إذن، هذا الحكم يكون لقلقة لسان، و ليس موضوعاً لحكم العقل بالتنجيز و التعذير.
و أمّا إذا كانت المصلحة قائمة بالتنجيز، فإن أُريد بالتنجيز فعل المكلّف، فهذا معناه: رجوع إلى المصلحة السلوكيّة، و أنّ هناك مصلحة في فعل المكلّف نفسه، و إن كانت هذه المصلحة قائمة بإطلاق العنان الذي هو وسط بين فعل المولى و العبد، فيصير حال الإباحة الظاهريّة المفوّتة للمصلحة و الملقية في المفسدة حال الإباحات الواقعيّة الاقتضائيّة، و من الواضح حينئذٍ: أنّه يقع محذور التضادّ بينها و بين الحكم الواقعيّ الثابت في موردها؛ لأنّها حكم كالأحكام الواقعيّة.
و نحن قد دفعنا إشكال التضادّ بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، بنكتة جعل الحكم الظاهريّ حكماً طريقيّاً لا ملاك فيه وراء ملاكات الواقع.
و أمّا بناءً على هذا، فيكون حال الأحكام الظاهريّة حال الإباحة الواقعيّة الناشئة من ملاكٍ نفسيّ، و حينئذٍ: يقع التضادّ بينها و بين الحكم الذي تفوّته كما تقدّم الآن.
و خلاصة تحقيق الحال في الجواب الثاني، هي أنّ مصلحة التعبّد بالحكم الظاهريّ، إن كانت مصلحة طريقيّة بحيث تكون روحها نفس الملاكات الواقعيّة المتزاحمة بنحو التزاحم الحفظيّ، و تلك المصلحة هي افتراض أنّ ما يحفظ بالحكم الظاهريّ من تلك الملاكات أكثر أو أهمّ ممّا تفوّت منها، فهذا صحيح و رافع لقبح التفويت، إلّا أنّه رجوع إلى نفس الجواب الذي به دفعنا إشكالات العقل النظريّ، و إن كانت مصلحة أُخرى نفسيّة وراء الملاكات الإلزاميّة أو الترخيصيّة الواقعيّة، فهذه المصلحة النفسيّة بهذا المعنى لها شكلان.