بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٩٠ - الوجه الثالث في عدم حجّيّة قول اللّغويّ هو ما ذكره صاحب الكفاية
و حينئذٍ نقول: إنّ اللّغويّ معرفته معرفة حسّيّة لا حدسيّة و اجتهاديّة، فإن كان هذا هو المنظور له فحينئذٍ يرد عليه:
أوّلًا: إنّ خبرة اللّغويّ في كثير من الأحيان تقوم على الحدس، فإنّه و إن كان رأس ماله السماع المباشر من العرب، إلّا أنّه بعدئذٍ يمكنه أن يستفيد و يقتنص المعنى بحدود ما يوافق هذا السماع، و لا يكون ذلك بمجرّد رؤية الاستعمال فقط، فهو يقارن و يحدس و ينتزع بحسب خبرته، إذن، ففي مقام تحديد حدود المعاني يكون الحدس و الاجتهاد موجوداً و معمولًا به.
و ثانياً: إنّه ما معنى هذه المقالة؟ و هي أنّ الخبرة إذا كانت قائمة على الحدس، حينئذٍ: قد تدخل تحت كبرى حجّيّة أهل الخبرة و تنعقد السيرة عليها حينئذٍ، و أمّا إذا كانت حسّيّة فلا تكون حجّة؟ فإنّه من الواضح: أنّ الحدسيّة تضعّف قيمة المطلب و الحجّيّة، فكيف تناط الحجّيّة بما يضعّف قيمة المطلب؟! مع أنّ الحجّيّة العقلائيّة بملاك الطريقيّة و الكشف لا تتناسب مع كونها حدسيّة.
و الذي ينبغي أن يُقال في المقام: إنّ العقلاء بحسب فطرتهم بنوا على حجّيّة أخبار الثقات في الحسّيّات، باعتبار أنّ احتمال الكذب في خبر الثقة منفيّ بوثاقته، و احتمال الخطأ منفيّ بأصالة عدم الخطأ في الحسّيّات، و لم يعمّموا ذلك إلى الحدسيّات، و لو كان المخبر ثقة؛ لأنّ غاية ما يقتضيه وثاقته أنّه صادق فيما يخبر عن حدسه في باب الحدسيّات، أمّا أنّ حدسه هل يصيب الواقع أو لا؟ فهذا لا يمكن إثباته، و البناء على إصابته الواقع لا بلحاظ الوثاقة؛ لأنّ هذا ليس كذباً، بل خطأ، و الوثاقة تنفي تعمّد الكذب، لا الخطأ، و لا يمكن إجراء أصالة عدم الخطأ؛ لأنّها إنّما تجري عند العقلاء في الحسّيّات لا الحدسيّات، و من هنا فرّق العلماء بين الإخبارات الحسّيّة للثقات و الحدسيّة لهم، فبنوا على حجّيّة الحسّيّة دون الحدسيّة.