بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٦ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
فعلى الفرض الأوّل، يثبت المطلوب، و هو أنّ سيرة المتشرّعة منعقدة على الموجبة الكلّيّة بقدر ما يقتضيه السيرة العقلائيّة من إيجابٍ كلّيّ، إذن، فقد تطابقت السجيّتان.
و على الفرض الثاني: و هو أن تكون السيرة المتشرّعيّة قد انعقدت على العمل بالظهور، لكن ضمن قاعدةٍ أخصّ من مقتضى السجيّة العقلائيّة.
مثلًا: إذا بلغ الظهور إلى درجة خمسين فصاعداً، فهم يعملون به دون الأقلّ من ذلك، حينئذٍ نسأل: أنّه من أين أُخذت هذه القاعدة؟ هل أُخذت من العقلاء؟ طبعاً، لا؛ لأنّ المفروض أنّها أخصّ من السجيّة العقلائيّة، إذن، ينحصر أخذها من سيرة المتشرّعة، إذن، لا بدّ أن يُفرض أنّ هؤلاء المتشرّعة تلقّوا من الشارع بياناً لقاعدةٍ أخصّ، و تحديداً للحجّيّة ضمن هذه القاعدة، و لهذا امتنعوا عن العمل بالظواهر في غير دائرة هذه القاعدة الأخصّ.
و من الواضح: أنّهم لو كانوا تلقّوا قاعدةً من هذا القبيل، مع أهمّيّة ذلك، لوصل إلينا شيء منه يشير إلى هذه القاعدة؛ لأنّ روح هذه القاعدة معناه: إرجاعها إلى الردع عن جزء من السيرة العقلائيّة، أي: إلى تخصيص السيرة العقلائيّة بوجهٍ من وجوه الردع أثّر فعلًا في تفسير مجرى عمل المتشرّعة، و مثل هذا الردع لو كان، لوصل إلينا شيء منه، بنفس البيانات السابقة، و حيث لم يصل، فهو غير موجود، إذن، فنثبت الموجبة الكلّيّة.
هذا ما يرجع إلى جهة النقص في سيرة المتشرّعة، حتى احتاجت إلى تتميم نقصها بالسيرة العقلائيّة.
و أمّا جهة النقص في السيرة العقلائيّة، فقد أشرنا فيما سبق إلى أنّها قد تحتاج إلى سيرة المتشرّعة لإثبات حجّيّة ذلك الظهور الحاليّ الذي لم يكن إثبات حجّيّة بنفس السيرة العقلائيّة.