بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٢ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
من العقلاء لو سُئل: بأنّ هناك آمراً له حقّ الأمر، و مأموراً عليه حقّ الطاعة، و أنّ هذا المأمور قام بتطبيق تمام ما يدلّ عليه كلام الآمر عليه، فهل مثل هذا المأمور يعدّ عاصياً إذا تبيّن أنّ ظاهر كلام مولاه غير مراد، أو لا يعدّ كذلك؟
و هنا: حينئذٍ، كلّ عاقل يقول: بأنّ المأمور صدر منه ما ينبغي أن يصدر منه، و حينئذٍ: يكون معذوراً، و ليس للآمر إدانته، كما أنّ الآمر كان يمكنه إدانة المأمور لو كان مقصّراً و لم يعمل بالظهور؛ إذ إنّ هذه القضيّة لا إشكال فيها.
و هذا الجواب من أيّ عاقل- عند ما نسأله عن الإدانة و عدمها- بحسب تحليله، ليس المراد من هذه الأجوبة أنّه يجيب بكاشفيّة عقله العمليّ؛ لأنّه لو كان يجيب بذلك، لكان معنى هذا: أنّ حجّيّة الظهور ذاتيّة كالقطع، أي: أنّ العقل العمليّ بما هو عقل بقطع النظر عن جعل جاعل الظهور بما هو هو يكون منجّزاً و معذّراً، و هذا معناه: الحجّيّة الذاتيّة للظهور، بينما الإشكال في عدم ذلك.
فهذا الجواب، ليس بملاك العقل البحت، كما أنّه ليس هذا بمعنى: أنّ هذا المجيب هو يجعل الحجّيّة؛ لأنّه لا معنى لجعل الحجّيّة من غير المولى لمأمور المولى، فإنّ الحجّيّة حكم ظاهريّ، و الأحكام الظاهريّة نتيجة التزاحم في مقام الحفظ، و إعمال التزاحم بيد صاحب الأحكام الواقعيّة، لا بيد شخصٍ آخر.
إذن، لا يُعقل تخريج هذا الموقف العقلائيّ على أساس أنّه إدراك عقليّ بحت لما عرفت، و لا على أساس جعل الحجّيّة من قبل غير المولى.
إذن، ما معنى هذا الموقف و الجواب من قبل هذا العاقل؟