بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٠ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
المتقدّمة، بحيث يظهر أنّ هذه السيرة لم تنعقد على العمل بالظهور في مورد الشكّ إلّا من باب الاحتياط، أو الاطمئنان و الغفلة كما تقدّم.
و مثل هذا التحليل، و إن كان صحيحاً في الجملة، لكنّه لا يضرّ بما هو المطلوب في المقام، من تحقّق السيرة على النحو الذي يُراد الاستدلال به، و ذلك لأنّ هذه السيرة بقطع النظر عن مناشئها، فهي باعتبار أنّها سلوك عامّ عاديّ يوميّ لكلّ عاقل في حياته الاعتياديّة، حينئذٍ هي تشكّل عادةً، و باب العادة غير باب التبصّر و التفلسف في دواعي انعقاد السيرة على العمل بالظهور، أي: يصبح العمل بالظهور كأنّه فطرة و جبلّة، لتراكم هذا العمل في المجتمعات البشريّة و الحياة الاجتماعيّة، و يخرج عن كونه عملًا مدروساً إلى كونه عملًا يصدر بلا رويّة، و هذا معنى العادة.
و إذا وصل الأمر إلى هذا المستوى، حينئذٍ، بحسب الخارج، فإنّه لا يؤمن أن يكون أوسع من مصادره المدروسة و المبحوثة بالنظر التفصيليّ المزبور؛ فإنّه بعد أن أصبح عادة، يخرج عن سلطان التحليل و التبصّر العقليّ، بل قد يصبح سلوكاً عفويّاً، و فهماً أدبيّاً، و منهجاً عقلائيّاً، بحيث يُعاب على الإنسان إذا لم يجرِ على طبقه، فحينما يتحوّل هذا السلوك من كونه سلوكاً تحليليّاً مدروساً إلى كونه سلوكاً جبلّيّاً عفويّاً دائرته أوسع من دائرته لو كان سلوكاً مبحوثاً و مدروساً، حينئذٍ: يصبح في هذه السيرة ما يشكّل إحراجاً للشارع، فلو فرض أنّه لم يكن الشارع يرضى بإعمال هذه السيرة في ظواهر كلامه، لكان عليه أن يردع؛ لأنّ العادة لا تعرف تمييزاً بين كلام و كلام، فمع كونها تشكّل خطراً على أغراضه و سيرة المتشرّعة، حينئذٍ: إذا لم يردع، فمن عدم الردع نستكشف الإمضاء و القبول.
و من هنا، يظهر جواب الاعتراض الثاني القائل: إنّ هذه السيرة