بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧١ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
المجال الأوّل: مجال باب الأغراض التكوينيّة، و العلاقات الشخصيّة، كعمل المريض بظهور كلام الطبيب و العمل به باعتبار كشفه له.
المجال الثاني: مجال الإدانة و المسئوليّة؛ فإنّ كثرة الاعتماد على القرائن المنفصلة إن كان يوجب تزلزلًا في السيرة العقلائيّة بحيث يُسقط الظهور عن العمل رأساً، فإنّما يكون كذلك في المجال الأوّل الذي يكون تمام نظر العاقل فيه إلى كاشفيّة الظهور، و لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للمجال الثاني، و هو مجال الإدانة؛ لأنّه في هذا المجال بحسب المرتكز العقلائيّ، إنّ لظهور كلام المولى و بيانه نحواً من الموضوعيّة في مقام الإدانة، و ليست القضيّة مجرّد قضيّة كشف كما في الأغراض التكوينيّة، بل يُقال للمأمور في الآخرة: إنّ مولاك هكذا بيّن القضيّة، و أمّا احتمال أنّه سيبيّن بعد مدّة، فهذا لا يكفي ما لم يصدر البيان.
نعم، لا بأس بالقول: إنّ هذا العمل يجب أن يكون بعد الفحص عن القرائن المنفصلة، و هذا أيضاً من شأنه العبوديّة، فالظاهر: أنّ كبرى السيرة العقلائيّة بمرتكزاتها منطبقة هنا جزماً، و ما يتراءى من عدم الانطباق، إنّما هو خلط بين المجال الأوّل و الثاني، هذا إذا سلّم بوجود طريقة غير متعارفة للمعصوم (عليه السّلام) في مقام الاعتماد على القرائن المنفصلة، و لم نقل بأنّ هذا المطلب مبالغ فيه على نحوٍ من التفصيل الذي تقدّمت الإشارة إلى بعض نكاته في وجوب الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ. إذن، فالسيرة العقلائيّة تامّة؛ لكون الأئمّة (عليهم السّلام) بحكم مشرّع واحد، لا يختلف أحدهم عن الآخر؛ لكونهم معصومين، و لاطّلاع كلّ واحدٍ منهم على ما صدر عن الإمام الآخر.