بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٥ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
و نحن نطبّق في المقام منها الوجه الخامس الذي حاصله: أنّ فقهاء ذلك العصر كانوا يعملون بالظواهر قطعاً، فلو لم يكن قد انعقد بناؤهم على العمل بالظهور عند اقتناص الحكم من الأدلّة الشرعيّة، بل كانوا يعتمدون على قاعدةٍ أُخرى كقاعدة اليقين، أو الاطمئنان، أو الاحتياط، و نحوه، لكان ذلك حدثاً فريداً في الفقه، و حينئذٍ: لا نحتمل أن يقع مثل هذا الحدث الغريب و يبنى عليه الفقهاء، ثمّ لا يُشار إليه من أحد، و لا يصل إلينا منه عين و لا أثر، بينما نجد أنّ الأصوليّين من المتقدّمين و المتأخّرين أجمعين أكتعين يبنون على حجّيّة الظهور دون تشكيك من أحد منهم في ذلك.
و لا يتوهّم احتمال أنّهم كان يحصل لهم الاطمئنان غالباً من الظهورات، و من ثمّ لم يشكّل ظاهرة غريبة ملفتة للنظر؛ إذ من الواضح أنّ أكثر مراتب الظهور لا يحصل منها اطمئنان؛ إذ مضافاً إلى كون باب المجاز و الاستعارة و الكناية مفتوح، فإنّ وضع حال الأئمّة (عليهم السّلام) الدقيق و اعتمادهم على التقيّة أو القرائن المنفصلة لم يكن ليساعد على حصول الاطمئنان من ظاهر كلماتهم جزماً.
و بذلك نثبت انعقاد السيرة المتشرّعيّة بالمعنى الأعمّ على العمل بالظهورات.
و قد عرفت سابقاً أنّه حجّة كالسيرة المتشرّعيّة بالمعنى الأخصّ، و بناءً عليه: لا تصل النوبة إلى البحث عن احتمال الردع بالإطلاقات الناهية عن العمل بالظنّ، و البحث فيها فيما إذا كانت تصلح للردع أم لا، فإنّ هذا استدلال بالسيرة المتشرّعيّة الكاشفة كشفاً إنّيّاً عن موقف الشارع مباشرة، فلا معنى للبحث عن الردع؛ لأنّه يكن بحثاً بلا موضوع.
التقريب الثاني: هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
و قد أشرنا سابقاً