بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٠٣ - الجهة الثانية في تشخيص موضوع حجّيّة الظهور
في الذهن عند سماع اللّفظ، و هذا الظهور هو الذي يُسمّى بالدلالة التصوّريّة، و هو ينشأ من الوضع.
الظهور الثاني: هو الظهور التصديقيّ، يعني: الظهور في أنّ المتكلّم حينما يقول كلمة (أسد) قد أراد تفهيم نفس المعنى الذي هو الظاهر تصوّراً، ثمّ أراد إخطاره في ذهن السامع، و أراد استعماله فيه، و من الواضح: أنّ هذا الظهور الثاني أخصّ من الأوّل؛ لأنّ الأوّل محفوظ حتى لو صدر الكلام من دون شعور و اختيار.
الظهور الثالث: هو الظهور التصديقيّ من المرتبة الثانية، فإذا قال: رأيت أسداً، فهنا ظهور تصديقيّ، بمعنى: أنّ الداعي لهذا الكلام هو قصد الجدّ، و هذا أخصّ من الثاني.
و الأوّل من هذه الظهورات، ملاكه الوضع فقط، و لا ينثلم حتى مع قيام القرينة المتّصلة، فضلًا عن المنفصلة؛ إذ بمجرّد سماعه كلمة (أسد) ينتقل ذهنه إلى الحيوان المفترس، غايته: أنّ كلمة (يرمي) تكون قرينة على عدم إرادة الحقيقة.
و أمّا الظهور التصديقيّ من المرتبة الأُولى أو الثانية، فهو متوقّف على عدم القرينة المتّصلة؛ إذ معها لا ينعقد ظهور تصديقيّ بلحاظ كلتا المرتبتين، و أمّا عدم القرينة المنفصلة فهو ليس مقوّماً لمرتبةٍ من مراتب الظهور، و إن كان دخيلًا في حجّيّة الظهور حينئذٍ؛ لأنّ المتكلّم بمجرّد أن يفرغ من كلامه من دون نصب قرينة، يستقرّ لكلامه ظهوره التصديقيّ و كشفه اللّفظيّ عن مراده الجدّيّ، و هذا الظهور ظهور فعليّ، و يكون حجّة، و القرينة المنفصلة لا توجب زوال الظهور، بل توجب زوال حجّيّته.
و حينئذٍ يُقال: بأنّه لا إشكال عند الجميع في أنّ المقصود من أصالة الظهور إنّما هو إثبات المفاد النهائيّ للكلام الذي هو المدلول