بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٨ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
النكتة الأُولى: هي أنّ العرض بحسب الخارج، دائماً يكون متأخّراً رتبةً عن موضوعه، لكن بحسب عالم الذهن ليس الأمر كذلك، فإنّه بحسب عالم الذهن، يمكن للذهن الذي ينتزع عنوان الخمر من الخارج، ثمّ ينتزع صفته، و هي مشكوكيّة الحرمة، أو حراريّته، يمكن لهذا الذهن أن يلحظ العنوان الأوّل، و هو عنوان الخمر، بأحد لحاظين.
فيلحظه أوّلًا: في المرتبة السابقة على عرضه، ثمّ يقيّد بعرضه، و هنا يكون الخمر ملحوظاً مطابقاً لنفس الأمر و الواقع، أي: كما هو في المرتبة السابقة على عرضه.
ثمّ إنّ الذهن باعتبار قدرته على الرجوع لما لاحظه أوّلًا، يمكنه أن يفرض الخمر، و يفرض الفراغ عن صفته، ثمّ يلحظ الخمر ثانيةً بعد اتّصافه بهذه الصفة، و هذا شيء من شأن الذهن فقط، لا الخارج؛ لأنّ بحسب الخارج على خلافه.
و من الواضح: أنّ هذه الموصوف الذي يرجع إليه الذهن مرّةً ثانية و يلحظه بعد الفراغ عن اتّصافه بصفته، فهذا الموصوف بهذا اللّحاظ، يكون متأخّراً رتبةً عن كيفيّة لحاظه باللّحاظ الأوّل، فكأنّه قد لوحظ هذا العنوان مرّتين، مرّةً قبل الصفة، و مرّةً بعد الصفة، باعتبار قدرة الذهن على الرجوع لما لاحظه، فيلحظه مرّةً ثانيةً في طول الصفة.
و من هنا يُنتزع ذاتان: ذات يراها الذهن بالنظر التصوّريّ الأوّل قبل الصفة، و ذات أُخرى يراها بعد الصفة، و إن كانت هاتان الذاتان خارجاً لهما مطابق واحد، و لكن بحسب التصوّر و قدرة الذهن على الرجوع و الكرّ و الفرّ، كما عرفت، تكون هاتان ذاتين.