بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣٥ - الجهة الخامسة الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة
حدود المعمول به خارجاً، المتعارف عليه في عهد المعصوم (عليه السّلام) أو أنّ هذا الإمضاء يكون أوسع من ذلك، و إنّما هو بسعة دائرة النكتة العقلائيّة لها، و التي قد تكون أوسع من مقدار الجري الخارجيّ؟
فمثلًا: كان المقدار المعمول به خارجاً في زمن المعصوم من قاعدة (من حاز ملك)، أو سببيّة الحيازة للتمليك، كان الحيازة بالوسائل البدائيّة، كالاغتراف و الاحتطاب و نحوه، و أمّا مثل حيازة الطاقة و البترول، فإنّه لم يكن معمولًا به آنذاك، فالمقدار المستفاد من الإمضاء، هل يكون في دائرة المعمول بها آنذاك، أو أنّه أوسع من ذلك؟ و هذا له آثار مهمّة في الفقه.
فقد يُقال: بأنّ السكوت و عدم الردع لا يدلّ على أكثر من إمضاء ما وقع خارجاً من عمل العقلاء آنذاك، و أمّا سعة نظر العقلاء لما هو أوسع ممّا كان يقع خارجاً، فلا يمكن استكشاف إمضاء الشارع له من مجرّد سكوته.
و لكنّ هذا البيان غير تامّ؛ إذ الإنصاف أنّ دلالة عدم الردع إنّما هو على إمضاء تمام النكتة العقلائيّة التي هي أساس العمل الخارجيّ للعقلاء و ملاكه في نظرهم، و ذلك لأنّ المعصوم له مقام التشريع و إبلاغ أحكام الله تعالى، و تصحيح و تغيير ما ارتكز من سلوكات غير صحيحة عند الناس، و مثل هذا أوسع مدلولًا من مجرّد كونه الإمام (عليه السّلام) ناهياً عن منكر خارجيّ، أو آمراً بمعروف، بل ظهور مقام المعصوم الحاليّ يدلّ أنّه ناظر إلى النكات التشريعيّة الكبرويّة، نفياً أو إثباتاً، و حينئذٍ: يكون لسكوته و عدم ردعه ظهور حاليّ في إمضاء تمام النكتة العقلائيّة للسيرة.
الجهة الخامسة: الفوارق بين السيرة المتشرّعيّة و العقلائيّة.
و من مجموع ما ذكرنا سابقاً، ظهر أنّ هناك عدّة فوارق بين سيرة المتشرّعيّة و سيرة العقلاء، نذكر شيئاً منها.