بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٤٦ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
في بحث السيرة إلى أنّنا حينما نريد الاستدلال بالسيرة العقلائيّة يكفينا أن نثبت أنّ الطباع العقلائيّة لو خُلّيت و نفسها، فهي مقتضية للعمل بالظهور، و هذا المقدار كافٍ لإثبات إمضاء الشارع من ناحية عدم الردع كما تقدّم.
و حينئذٍ يُقال: بأنّ هذه القضيّة الاقتضائيّة العقلائيّة بديهيّة بحسب الخارج؛ لأنّ استقرار سيرة العقلاء على العمل بالظهور من أبرز مظاهر حياتهم بحسب الخارج، فإنّ تمام المجتمعات التي تتعايش و تتخاطب بلغة متّفقة على الأخذ بظواهر هذه اللّغة، فالقضيّة الاقتضائيّة محرزة وجداناً.
و هذا الكلام يحتاج إلى تحقيق و تحليل؛ إذ ما ذا يُراد من هذه العبارة، و هي (أنّ العقلاء استقرّ بناؤهم على العمل بالظهور)، فإنّها يمكن أن تُبيّن بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: هو أن يُقصد منها أنّ العقلاء في معاملاتهم العرضيّة فيما بينهم يبنون على الأخذ بالظهور، فمثلًا: المريض يأخذ بظاهر كلام الطبيب عند ما يصف له العلاج، و يعرف من ظاهر كلام الطبيب أنّ هذا العلاج يجري في تمام الأيّام، و هكذا بقيّة المعاملات الاجتماعيّة.
فإذا أُريد هذا الوجه من هذه العبارة، حينئذٍ: من المعلوم أنّ هذه التطبيقات العقلائيّة للعمل بالظهور، تكون كلّها تطبيقات في موارد الأغراض التكوينيّة للأشخاص أنفسهم، دون الأغراض التشريعيّة؛ لأنّ هناك فرقاً بين الغرض التكوينيّ للأشخاص، و بين الغرض التشريعيّ؛ فإنّ المراد من الأغراض التكوينيّة هو أنّ الإنسان هذا بما هو له غرض في كتابة كتاب مثلًا، بينما الغرض التشريعيّ هو عبارة عن كون الغرض غرضاً للآمر في فعل المأمور، و في الأغراض التكوينيّة لا