بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٨ - القسم الثاني من السيرة هي السيرة التي تنقّح الدليل، لا موضوع الحكم،
و هذا القسم يختلف عن القسم الأوّل، بأنّه بحاجة إلى إثبات معاصرته لعصر صدور النصّ من الشارع، أمّا إذا فرض أنّه لم يكن معاصراً، فإنّه حينئذٍ لا يكون قرينة متّصلة مع فرض عدم معاصرته لعصر صدور النصّ.
إلّا أنّنا إذا أحرزنا ثبوت هذا الارتكاز في عصرنا، و احتملنا ثبوته في عصر صدور النصّ، فيكون هذا كافياً لنا في قرينيّة الارتكاز على الدليل، و ذلك، لا لأنّ مجرّد ثبوت في هذا العصر يوجب احتمال ثبوته في عصر الصدور، فيكون من باب احتمال القرينة المتّصلة، و هذا الإعمال يمنع عن العمل بالظهور، بل من أجل أنّ المقام يدخل تحت كبرى أصالة عدم النقل؛ لأنّ هذا الارتكاز دخيل في ظهور هذا الكلام، إذن، فمرجع هذا هو أنّ هذا الكلام لو صدر الآن لكان معناه: كذا، و أمّا لو صدر قبل الآن، فلا ندري ما معناه، فتجري أصالة عدم النقل حينئذٍ، فيثبت أنّ ما هو المركوز اليوم هو المراد من الدليل.
و الحاصل هو: أنّ السيرة في هذا القسم هي التي تنقّح ظهور الدليل لا موضوع الحكم، و هذا يدخل تحته إعمال المناسبات العرفيّة و المرتكزات العقلائيّة في فهم الأدلّة الشرعيّة؛ إذ إنّنا سوف نذكر في بحث الظواهر أنّ هذه المرتكزات العرفيّة و العقلائيّة تتدخّل في تكوين الظهور و اقتناصه من الدليل، كما أنّها تشكّل قرائن لبّيّة متّصلة بالكلام بحيث تتصرّف و تتدخّل في ظهور الدليل و المراد منه توسعةً أو تضييقاً، أو تغييراً من معنىً إلى آخر.
و حجّيّة هذا القسم من السيرة هو أيضاً على القاعدة بعد الفراغ عن كبرى حجّيّة الظهور بلا حاجة إلى دليل زائد.
و يفترق هذا القسم عن القسم السابق في حاجته إلى إثبات معاصرة السيرة لزمن صدور النصّ- فيما إذا كان النقل عن المعصوم