بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٩ - الكلام في حجّيّة الإجماع
إنّ أمّتي لا تجتمع على خطأ، و إنّما قال: لا تجتمع على ضلالة، و الضلالة أخصّ من الخطأ؛ فإنّ المجتهد إذا اجتهد و بذلك جهده و صرف نظره في الآيات و استنبط استحباب السورة، لكنّه كان مخطئاً واقعاً، فلا يُقال: إنّه في ضلالة؛ لأنّ المتفاهم من الضلالة عرفاً هو الانحراف و الإثم، فغاية ما يثبت بهذه العبارة هو أنّ تمام المسلمين لم يصبحوا في يوم من الأيّام جميعهم فسقة و آثمون، بل المفهوم أنّهم إذا أجمعوا على وجوب الأذان و كان هذا الإجماع خطأ في الواقع، فلا يُقال عنهم بأنّهم انحرفوا و ابتدعوا، بل يُقال: إنّهم أخطئوا.
و الحاصل هو: انّ الحديث لا يدلّ على ما يفيدنا في مسألتنا الأصوليّة؛ لأنّ الوارد فيه عنوان (لا تجتمع على ضلالة)، و الضلالة تستبطن الانحراف و الإثم، و هو أخصّ من الخطأ و عدم الحجّيّة المبحوث عنه في الإجماع، فإنّ خطأ المجمعين جميعاً في مسألة فرعيّة لا يعني ضلالتهم.
الأمر الثاني: في مناقشة السند، حيث يُقال: بأنّ هذه الرواية غير معتبرة سنداً، و ليس هذا لأجل الأصول الموضوعيّة المذهبيّة عندنا، بل حتى بحسب موازينهم هم أيضاً في باب الجرح و التعديل، فإنّ الرواية الأُولى، و هي رواية أبي خلف، فقد ورد فيها أبو خلف الأعمى، و هو ضعيف كما شهد بذلك جملة من علمائهم، بل قال بعضهم [١]: إنّ هذا الحديث جاء بطرق كلّها فيها نظر.
و أمّا الرواية الثانية التي يرويها أبو داود في سننه، فقد ورد فيها اسم (ضمضم)، و هو محلّ خلاف عندهم من حيث الجرح و التعديل، و أمّا شريح الذي ينقل عنه ضمضم هذا الحديث، فمن المظنون به
[١] () يراجع: مستدرك الحاكم: المجلّد الأوّل، ص ١١٥- ١١٧.