بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٧ - القسم الثاني من السيرة هي السيرة التي تنقّح الدليل، لا موضوع الحكم،
المعصوم (عليه السّلام)، ثمّ تبدّلت، حينئذٍ يسقط أثرها؛ لأنّها لم تعد منقّحة للموضوع في هذا الزمان، و إنّما تكون الحجّة هي السيرة الفعليّة، باعتبار أنّ الموضوع قد تبدّل.
القسم الثاني: من السيرة: هي السيرة التي تنقّح الدليل، لا موضوع الحكم،
أي: أنّها تنقّح ظهور الدليل، و هذا يدخل تحته إعمال المناسبات العرفيّة و العقلائيّة في فهم الأدلّة الشرعيّة، فإنّنا سوف نبيّن إن شاء الله في بحث الظواهر، أنّ الظهور كثيراً ما يتدخّل في تكوينه و اقتناصه من الدليل المرتكزات العرفيّة و البناءات العقلائيّة، و هي تشكّل قرائن لبّيّة متّصلة، فكما أنّ القرائن اللّفظيّة المتّصلة تتدخّل في ظهور الدليل، فكذلك اللّبّيّة المتّصلة.
و هذه القرينة، قد توسّع من الدليل و قد تضيّقه، و قد تغيّره من معنىً إلى معنىً آخر.
و هذا الإعمال بحسب الحقيقة في السيرة العقلائيّة بهذا المعنى، إعمال على القاعدة، فلا يحتاج إلى بحث عن دليل حجّيّته وراء البحث عن دليل حجّيّة الظهور الذي يأتي، و ذلك لأنّ هذه السيرة دخيلة في تكوين ظهور في الدليل، فإذا تكوّن ذلك الظهور، حينئذٍ يكون حجّةً لدليله، فمثلًا: إذا فرضنا أنّه صحّ ما ذهب إليه مشهور الفقهاء من أنّه إذا جاء بالثمن خلال الثلاثة أيّام، فالبيع لازم، و إلّا، فلا بيع بينهما، و معنى هذا: أنّ الانفساخ بعد الثلاثة أيّام، لكن إذا أعملنا المرتكزات العرفيّة و العقلائيّة، و قلنا: إنّ ما ذهب إليه الفقهاء منزّل على حسب المرتكزات العرفيّة، حينئذٍ: يكون قولهم: إنّه لا بيع بينهما، يكون بحسب مرتبة اللّزوم، لا الصحّة و الاقتضاء، فالارتكاز يُجعل قرينة على أنّ البيع المنفيّ إنّما هو البيع اللّازم، لا صحّته و جوازه، فتكون هذه السيرة قرينة على تنقيح كيفيّة دلالة الدليل.