بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٨ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
الحكم من المعصوم؛ فإنّ اجتماع هذه الغفلات العديدة في قضيّة قريبة من الحسّ بعيد جدّاً، و من هنا كانت هذه السيرة أقوى من الإجماع بمراتب، باعتبار أنّ إجماع أهل النظر و الرأي و الاجتهاد، أي: فقهاء عصر الغيبة، إنّما كان إجماعاً في قضيّة حدسيّة، و هو غير الخطأ في الحسّ؛ إذ كلّما كانت القضيّة أقرب إلى الحسّ يكون احتمال الخطأ فيها أبعد، و كلّما كانت أقرب إلى الحدس يكون احتمال الخطأ فيها أقرب، و كلّما كان احتمال الخطأ في قضيّة بعيداً في عالم الحسّ، حينئذٍ: يكون انعقاد السيرة من المتشرّعة على هذه القضيّة في ذلك العصر كاشفاً قطعيّاً عن تلقّي هذا الحكم من المعصوم (عليه السّلام).
و هذا البيان يختصّ بسيرة المتشرّعة، و لكن بهذه الصيغة لا يأتي في السيرة العقلائيّة؛ لأنّه في السيرة العقلائيّة يمكن أن يفرض أنّ النكات و المرتكزات العقلائيّة باعتبار شدّة سيطرتها على الأفراد، و تحوّلها إلى عادة سلوكيّة في الخارج، تكون هي المنشأ في كثير من السلوك، و في أكثر ما ثبت منه، و لا ينحصر سبب بعض السلوك في التلقّي من الشارع، بل لعلّه ناشئ من الجري اللّاشعوريّ على طبق تلك المرتكزات عندهم، و من هنا، كان إثبات حجّيّة السيرة العقلائيّة يحتاج إلى الاستعانة بقضيّتين شرطيّتين:
الشرطيّة الأُولى: هي أنّه لو لم يكن الشارع قد أمضى هذه السيرة لردع عنها.
الشرطيّة الثانية: هي أنّه لو ردع عنها لوصل إلينا.
و التالي في الشرطيّة الثانية باطل؛ إذ لم يصل إلينا حسب الفرض، فالمقدّم مثله، إذن، لم يردع عنها، إذن، فقد أمضاها.
إذن، فهنا ثلاث نقاط: الأُولى: هي بيان الشرطيّة الأُولى. الثانية: هي بيان الشرطيّة الثانية. و الثالثة: هي بيان بطلان التالي.