بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٦ - الجواب السادس دفع شبهة اجتماع الضدّين أو المثلين
من قبيل قبح الظلم بحيث إنّه ليس له علاج، بل هو قبيح بحسب طبعه و اقتضائه، و لكنّه قد ينطبق عليه عنوان من العناوين، بحيث يكون بهذا العنوان ذا مصلحة يُدارك بها قبح ذلك التفويت، كما في ضرب اليتيم، فإنّه قبيح، لكن قد ينطبق عليه عنوان آخر ذا مصلحة، كالتأديب، بحيث يرتفع قبح الضرب، و هنا أيضاً كذلك، فلو خُلّي التعبّد بالأمارة و نفسه، لكان قبيحاً، و بالتالي: يكون هذا الفعل من المولى قبيحاً، إلّا أنّه قبح في مقابل ما يقابله من مصلحة لا يعدّ قبحاً، و حينئذٍ: يرتفع قبح التعبّد بالأمارة.
و لا يلزم هنا أن نفترض أنّ المصلحة بتدارك ما فات إنّما تكون بذلك التعبّد، فقد نفرض أنّ مصلحة الدعاء التي فاتت المكلّف لا تحصل عن طريق جعل التعبّد، بل هذه المصلحة الفائتة ذهبت، و إلّا، لو كانت محصّلةً لها للزم ارتفاع الحكم الواقعيّ بمجرّد صدور هذا التعبّد؛ لأنّ مصلحته موجودة، و هذا تصويب.
إذن، فهذه المصلحة التي نفرضها في نفس التعبّد ليست هي نفس تلك المصلحة، و لا يستوفى بها تلك المصلحة الفائتة بترك الدعاء، كما أنّها ليست ضدّاً لها بحيث يستحيل أن تجتمع معها؛ إذ لو كانت ضدّها، فأيضاً يلزم ارتفاع الحكم الواقعيّ بمجرّد تحقّق التعبّد؛ إذ بمجرّد تحقّق التعبّد على الخلاف تكون هذه المصلحة المضادّة قد استُوفيت، و معه: يستحيل استيفاء مصلحة الحكم الواقعيّ، و ذلك للمضادّة، و معه: لا يبقى الخطاب الواقعيّ، و هذا تصويب.
إذن، هذه المصلحة التي نلتزم بثبوتها في نفس التعبّد بالحجّة المخالفة للواقع، لا هي من سنخ مصلحة الواقع، بحيث تكون مستوفيةً لها، و لا هي مضادّة لها، و إنّما هي مصلحة مغايرة، إلّا أنّ هذه المصلحة المغايرة بدرجةٍ من الأهمّيّة بحيث تسوّغ للمولى أن يفوّت